الأحد، 30 مارس 2008

أقصوصات عربية للجوال
(1)

يكتبها لكم مصـطفى سـكر



" كانت فكرة كتابة قصص على الهواتف الجوالة وقراءتها من قبل المعجبين على هواتفهم ، غير مستساغة كصنف نوعي من الأدب في اليابان ، والتي قد أعطت العالم أول قصة مكتوبة قبل ألف عام ، لكن أخيرا أصبحت الأقصوصات التي تنشر على الجوال هى الأكثر مبيعا ، ثم طبعت في كتاب وأعيد طبعها ، وهذه القصص لم تتغلغل فقط بين الكتب الشائعة بل تمكنت من التغلب عليها " !
عن صحيفة "بانغاكو كاى الأدبية باليابان"

..........

دبلة الزواج ...
كان يحبها وتحبه ، ملكت قلبه وصار يحلم بها ليلا ونهارا ، مرت الشهور وهو يهيم بها عشقا ويكتب لها شعرا ، صباح يوم عيد الحب ، أهداها وردة حمراء ، مساء اليوم نفسه ، قدم لها آخر دبلة الزواج ، تزوجته ورحلت
معه ! ..

بناء العش ...
وقف يتأمل الشجرة العتيقة ، كانت ضخامتها تشبه الكوبري الذي ينام أسفله ، رفع بصره لأعلى فوجد عصفورا يحمل قشة بمنقاره ، يطير العصفور ويرجع ومعه قشة أخرى ، إكتشف أن العصفور يبني عشا ، قال لنفسه : ياولتي ، أعجزت أن أكون مثل هذا العصفور، ثم إنطلق يجمع القش ويكومه أسفل الكوبري ! ..

رأس المال ...
سرق لص قميصا أعطاه لإبنه ليبيعه ، لكن القميص سرق من الإبن في السوق ، حين رجع إلى البيت سأله والده : بكم بعت القميص ؟ قال : برأس ماله ياوالدي ! ..

البلوتوث ...
في الحديقة العامة كفشوّه يجلس قريبا من إمرأة ، كان ينقر في جواله ، وهى تفعل نفس الشيئ ، إتهموه بأنه يرسل للمرأة رسائل بلوتوث نابية ، لكنهم إعتذروا بشدة ، حين حضر الأولاد من اللعب وقالوا : هذا بابا وهذه ماما ! ..

يتعلمون بأسئلتهم ...
نزل العاصمة لأول مرة هو وزوجته وإبنه الصغير ، شاهد الإبن تمثالا ضخما فسأل أبيه : ماهذا ؟ الوالد : لاأدري ، رأى برجا عاليا فسأل ، الوالد : لاأدري ، إقتربوا من كوبري علويّ فسأل عنه ، فقال الوالد : لاأدري ، نهرت الأم ولدها : كفاك ياولد أتعبت أبيك ، الأب : أتركيه ياحرمة يسأل ، فالأطفال يتعلمون بأسئلتهم ! ..

شاة الإعرابيّ ...
وقف الإعرابيّ يعرض شاته في السوق للبيع ، سأله أحدهم : بكم ؟ قال : شاتي بسبعة دراهم ، وطلبت مني بثمانية ، فإن كنت تريدها بتسعة ، فخذها بعشرة ! ..

ذبابة السيارة ...
خرج من بيته غضبانا بعد أن زنت عليه بطلباتها ، في السيارة ذبابة محبوسة بدأت تضايقه ، عند أول إشارة حمراء فتح الشباك وأخذ يهشها بعصبية ، جاءه صوت من الجوار يصيح : ألا تستحي يارجل ، كان رجلا بجوار حرمة مغطاة في سيارة أخرى ، وهو مازال يهش : إنها ذبابة ، قذفه الرجل ببصقة لصقت بوجهه ! ..

غسل العار ...
صرخت ولطمت حين سمعت كلمات إبنتها ، جاء الأب على عجل يستفهم ، قالت : إبنتك حامل ، هجم الأب على إبنته كالوحش يريد خنقها ليغسل عاره ، لكن البنت إستمهلته حتى تكلم الجاني بالجوال ، حضر على عجل بسيارته الفاخره وملابسه الغالية ، قال: غلطتي لكن ظروفي لا تسمح بالزواج منها وسأعوضها ، إن أنجبت بنتا سأهبها قصرا ومليون ريال ، وإن جاء ولد سأمنحه إحدى شركاتي وخمسة ملايين ، أما إن أجهضت ، فيا دار مادخلك شر ، عقب الوالد بسرعة : إن أجهضت لاقدّر الله ، لماذا ياولدي لا تحاول مرة أخرى ؟! ..

السائل الفصيح ...
جر رجليه بصعوبة حتى وصل باب بيت ، دق الباب ، جاء السؤال : من بالباب ؟ قال فقير يسألكم مما أعطاكم الله ، قالوا لا يوجد ، قال قطعة لحم ، قالوا لا يوجد ، كسرة خبز ، لايوجد ، ملعقة أرز ، لايوجد ، طاسة لبن ، لايوجد ، كوب شاى ، لا يوجد ، شربة ماء ، لايوجد ، قال بأسى : إذا علام تجلسون بالبيت ، هيا أخرجو واسألوا فأنتم أحوج مني ّ ! ..

زواج الغر ...
زوجه أهله الميسورين وهو مازال غرا ، فرشوا له الدور الثاني بالفيلا ، حين إختلى بعروسه ليلة العرس قبض عليها وأشبعها تبويسا ، البنت ملّت وتضايقت ، دفعته عنها وهى تقول : كفى تبويسا ألا تريد شيئا من أسفل ؟ قال : بلى ، باكيت دخان وعلبة بيبسي ! ..

العقيقة ...
أشيع في الحيّ خبر الحفل ، تجمع كثير من الناس داخل البيت ، قالت الزوجة لزوجها : إن كل ما طبخناه لن يكفي هذا الجمع الغفير ، قال : إنتظري ، صاح بصوته : ياجماعة لو سمحتم ، معازيم العريس يأتون لهذا الجانب ففعلوا ، ثم قال : ومعازيم العروس يأتون إلى هذا الجانب ففعلوا ، إستدار إليهم وقال : لو سمحتم إنصرفوا في هدوء فهذه عقيقة للمولود الجديد وليست وليمة عرس ! ..

فتاة الأحلام ...
خجول ودميم وعدمي ، لا يملك من حطام الدنيا شيئ ، لكن أحلامه كانت تطوّق الدنيا ، كثيرا ما تمنى صحبة فتاة فكان يفشل ، أخيرا حققه ، إشترى فستانا أحمرا وألبسه لفتاة من بنات أحلامة ، ثم خرج يتأبط ذراعها ويتمشى معها على الكورنيش ! ..

ترضع وليدها ...
إجتاح البلدة زلزال مدمر فإنهار بيتها ، أسرعت المرأة مهرولة إلى رضيعها فخطفته وطارت إلى الشارع ، على الرصيف المقابل للبيت المهدم ، جلست ترضع وليدها وتهدهده ، العابرون ينظرون إليها بأسف ويقولون مشفقين : ياحرام ، المسكينة ترضع المخدة وتهدهدها ! ..

زيادة الراتب ...
قالت الخادمة الإندونسية لسيدتها : أبغى زيادة راتبي ؟ تعجبت السيدة وسألتها ولماذا ؟ قالت الخادمة لثلاثة أسباب ، أولها أنا أكوي الملابس خيرا منكي ، السيدة : من قال هذا ، قالت بابا ، وثانيها أنا أطهو أفضل منكي ، السيدة : من قال هذا ، قالت بابا ، ثالثها : أنا في الحب أحسن منكي ، تعصبت السيدة وسألتها بعنف : بابا قال هذا أيضا ، قالت الخادمة : لا هذا قول السائق الفلبيني ! ..

نافذتين ...
رسم الفنان غرفة بنافذتين ، نافذة تطل على الشرق ، وأخرى على الغرب ، نظر من نافذة الشرق فوجد في النافذة المقابلة فتاة جميلة تضع رأسها بين كفيها ، إتجه لنافذة الغرب فرأى شابا يذرع غرفته قلقا ، يعلم الفنان أن الشارع يعج بالممنوعات والمحظورات ، أنشأ رسما لكوبريّ علويّ يصل بين القلبين ، أعطى الرسم لمقاول لتنفيذه ، المقاول (عديم الذمة) خنصر الكثير من مواد البناء ، حين لامست أقدام الشرق والغرب طرفيّ الكوبري لم يتحمل فرحتيهما فإنهار ! ..

المعادلة الناقصة ...
دقيق جدا في حياته ولا يتهاون فيما يخص الرياضيات مجال عمله ، وجد يوما سيارة دفع رباعي مكتوبا عليها معادلة ناقصة (4x4) ، أخرج قلمه العريض وأكملها (4x4=16) ومشى إلى مدرسته ! ..

عدة العض ...
زوجان عجوزان راقدين على السرير ، عبرت سحابة الذكرى السعيدة فهيجت الزوجة عاطفيا فهمست : لماذا لم تعد تقبض على يدي كالسابق ، مد يده من تحت اللحاف وفعل لمدة ثم عاد لنومه ، بعد فترة وكزته : ولم تعد تقبلني قبل النوم ، إستدار وقبلها قبلة خاطفة على وجنتها ثم عاد لوضعه ، فترة أخرى وقالت بشغف : عندما كنت تحبني كنت تعضعضني في رقبتي ، دفع الزوج الفراش وهب واقفا وأضاء الأنوار ، صاحت مندهشة : إلى أين تذهب ؟ قال غاضبا : إلى الحمام لأركب طقم أسناني ! ..

الجديّ المشوي ...
طار فرحا حين إستدعاه جاره للوليمة ، فقد كان الجوع يفري كبده ، حين رأى جديا مشويا ذهبيّ اللون يرقد فوق هرم الأرز البسمتي ، فقد عقله وأخذ يقتنص لحمه بشراهة واضحة ، إغتاظ جاره فأنبه قائلا : أراك تأكله بحقد كأن أمه نطحتك ، فقال الجائع : وأنت تشفق عليه كأن أمه أرضعتك ! ..

ساعة اليد ...
سأل شاب رجلا : كم الوقت في ساعتك ؟ أجاب الرجل : لن أقول لك ، الشاب : لماذا ياسيدي ماالذي ستخسره ؟ الرجل : إن أخبرتك ستشكرني ، وغدا ستألني ، وبعد غد ستسأل ، وتصير بيننا معرفة ، فأقوم بعزمك على فنجان قهوة ، فنتعارف ، فتكلمني بالتلفون ، وتزورني بالبيت ، وتتعرف على أسرتي ، وتعجب بإبنتي الجميلة المثقفة ، وتواعدها من ظهري ، ثم تتقدم للزواج منها ، وبكل تأكيد سأرفض .. ذهل الشاب وسأله : لوحدث كل هذا لماذا سترفض زواج إبنتك مني ؟ قال الرجل متأففا : لأني لن أسمح أبدا لإبنتي الوحيدة أن تتزوج رجلا لا يقتني ساعة يد ! ..

الطاعة العمياء ...
في دولة (ما) تقدم بعض مواطنيها للعمل مع الإستخبارات ، تمت تصفية المتقدمين وبقى ثلاثة ، قيل لهم الإختبار النهائي سيكون للطاعة العمياء ، أعطى الأول بندقية وقيل له بهذه الغرفة زوجتك أدخل وإقتلها ، بعد تفكير رفض فصرفوه ، أخذ الثاني البندقية ودخل على زوجته ، لكنه خرج بعد بعد فترة وقال لم أستطع التنفيذ فصرفوه ، أخذت المرأة الأخيرة البندقية ودخلت على زوجها ، سمعوا طلقة نارية ثم صراخا وإستغاثا ، بعدها خرجت وهى تقول : لماذا لم تخبروني أن الطلقة فشنك ، لقد إضطررت لقتله بأسناني ! ..

الحلم اللذيذ ...
كان يحلم أن أبيه قد مات وورث عنه ثروته ، كانت السعادة ترفرف بجناحيها حوله ، ركب سيارة مكشوفة وملأها بثلة من الصبايا ، أخذ يذرع شوارع المدينة وينثر الأوراق المالية على المارة وهو يغني ، دفعتة يدا قوية وصوتا غليظا يوقظه : أما زلت نائما ياخائب ؟ قم وإغتسل وإذهب إلى مدرستك ، منكودا : حاضر ياأبي ، بمجرد أن خرج أبوه من الغرفة ، إندس ثانية تحت البطانية ليكمل الحلم ! ..

ناقة الجنوب ...
مجموعة من البسطاء يعيشون في أحد النجوع ، عملهم الرعى وقوتهم التمر والبر والشعير وحليب الناقة ، ناقة الحليب ماتت فسعوّا لشراء غيرها ، لكن النواحي القريبة كانت تبيع النوق بأسعار فوق طاقتهم ، نصحوا بالذهاب للجنوب ، أرسلوا واردهم فحضر بناقة بسعر جيد ، الناقة كانت تدر لبنا وافرا ، فأرادوا أن يزوجوها لعلها تنجب نياقا أخرى ، الناقة عافت كل من يقترب منها من البعران(الجمال) وآذتهم ، لجأوا لشيخ العشيرة ليستفتوه في أمرها ، فاجأهم الشيخ ضاحكا : أهى من الجنوب؟ قالوا مدهوشين : نعم ، لكن من أين علمت ؟ قال : لأن زوجتي من الجنوب ! ..

الجزاء من جنس العمل ...
أوقفت الشرطة سيدة كانت تقود سيارتها بسرعة وتجاوزت إشارة المرور الحمراء ، حولت إلى محكمة المرور ، قالت للقاضي إحكم بسرعة لأني أريد اللحاق بفصلي ، رفع القاضي حاجبه دهشا وهو يقول : إذا أنتي مدرسة ، حسنا ، سيكون جزاءك من جنس عملك ، إجلسي على هذه الطاولة البعيدة وأكتبي على أوراقها عبارة " تجاوزت إشارة المرور الحمراء" خمسمئة مرة ! ..

الروشتة ...
سألت الصيدلي : هل عندك سيانيد ؟ إنتفض الرجل وسألها : سيانيد ولماذا السيانيد ؟ قالت أريد تسميمي زوجي ، أجابها محذرا : هذه جريمة ياأختي ستعرضك للسجن ثم القتل ، وستعرضني أنا للمساءلة وسحب رخصة عملي وتشريد أسرتي ، أخرجت السيدة من حقيبتها صورة أطلعته عليها ، كانت الصورة لزوجها مع زوجته في وضع مشين ، إكفهر وجه الرجل وهو يعيد إليها الصورة قائلا : لماذا لم تقولي من قبل أن معكي روشتة ! ..

الميركافا ...
سأل معلمه الحكيم المشورة في إختيار زوجه المستقبل ، المعلم من الجيل القديم ، قال عليك التأسي بما فعله مروان إبن عبد الملك حين سأل مستشاره فقال إطلبها يامولاي : ملساء القدمين ردماء الكعبين ناعمة الساقين ضخماء الركبتين لفاء الفخذين ، ضخمة الذراعين رخصة الكعبين ناهدة الثديين حمراء الخدين كحلاء العينين زجاء الحاجبين لمياء الشفتين ، بلجاء الجبين شماء العرنين ، شنباء الثغر محلولكة الشعر غيداء العنق مكسرة البطن ، أطولهن إذا قامت ، أكبرهن إذا قعدت ..
علق تلميذه المذهول قائلا : هذه ليست أوصافا لإمرأة ياأستاذي ، هذه أوصاف الدبابة الإسرائيلية "الميركافا" التي نسفها الفلسطينيون ! ..

ملاحظة طفولية ...
تجلس بجانب أمها تراقب طيها للغسيل ، لاحظت شعيرات بيضاء تطل من رأس أمها فقالت : ماما ظهرت في رأسك شعيرات بيضاء ، قالت الأم : بالتأكيد ، فكل مرة تفعلين شيئا يغضبني تظهر في رأسي شعرة بيضاء ، إستغرقت الطفلة مدة في التفكير ، سألت بعدها : ألنفس السبب صار كل شعر جدتي أبيضا ؟ ! ..

ثم رحلت ...
وفاء تعلمت وكبرت وصارت مدرسة ، وفاءا منها صارت تعطي راتبها لأبيها لتعينه على تربية أسرتها ، كبر الأخوة وتفرقوا وظلت وفاء تفي ، تقدم البعض للزواج منها ، كان الأب يرفض لحجج كثيرة ، ليس قبيليا ، غير مسؤول ، قصير ولا يليق ، بخيل ، يطمع في راتبك ، تخطت وفاء الأربعين وتعنست ، لم يتحمل بنيان جسدها المكتئب الذي ظل يرزح تحت الضغوط النفسية أعواما فتشقق ، على السرير الأبيض ، أسرت في نفسها دعاءا وطلبت من أبيها أن يؤمن ، قال : آمين ، لكن ماهو دعاؤك ، قالت : دعوت ربي أن يحرمك من دخول الجنة كما حرمتني من الزواج والخلفة ، ثم رحلت ، نصحه شيخ الجامع بكثرة الإستغفار لعل الله ...

أوقف صراخك ...
تخرج من الجامعة وأخذ يبحث عن عمل فلم يجد ، كانت أمه المسكينة تدفعه للعمل ليخفف الحمل عنهم ، قال له أحدهم أن حديقة الحيوانات تطلب موظفين ، ذهب ، الوظيفة كانت أن يحل محل الغوريلا التي ماتت ، رفض ، قالوا المرتب ممتاز والوظيفة سهلة ، إلبس زيّ الغوريلا وإلعب ونعّر داخل القفص أمام الأطفال ، جرّب تقليد الغوريلا أمام الأطفال فأسعدهم فأحبها ، في مشهد فكاهي كان يتسلق السور وهو يرغو فسقط في الجانب الآخر ، فوجئ بأسد متوحش يهجم عليه لإفتراسه ، صاح بأعلى صوته : إلحقووووني إنقذووووني ، مالت أسنان الأسد نحو أذنه فتوقع أنه سقضمها ، لكن الأسد الهصور لم يقضمها كما توقع ، فقط همس فيها : ياأخي أوقف صراخك حتى لا يفصلونا من عملنا ! ..

الباس وورد ( رمز العبور ) ...
واجه الموظف الجديد مشكلة عند بدء تشغيل الحاسوب الموضوع على مكتبه ، إتصل بمركز المعاونة كما أخبروه ، سأله الفني المختص : ما مشكلتك ؟ قال : كل مرة أدخل رمز العبور تظهر لي نقاطا سوداء ، قال المختص : نعم ، هى تظهر كذلك لحمايتك ، فإن كان أحدهم يقف وراءك لا يستطيع حفظها ، الموظف مندهشا : ياسيدي معقول كلامك ، لكن المشكلة أن هذه النقاط تظهر حتى لو لم يكن أحد يقف خلفي ! ..

زهور ...
زوجان عجوزان دعيا إلى عشاء عند عائلة صديقة ، بعد العشاء ذهبت الزوجتان إلى المطبخ بالأواني ، وبدأ الصديقان يدردشان ، قال الضيف : أمس تعشينا في مطعم جديد هايل ، أوصيك بتجربته ، سأل المضيف : ماإسم هذا المطعم ؟ أخذ الصديق يعصر ذهنه محاولا التذكر ، أخيرا قال : ماإسم الصحبة التي تقمدمها لزوجتك في عيد ميلادها ؟ أجابه : صحبة الجوري ، رافضا : ياأخي لها إسم آخر ، قال : صحبة الورود ، يستحثه : ياعزيزي لها إسما آخر ، قال : صحبة الزهور ، هبط فرحا على ظهر المقعد وهو يصيح : يازهور ، ما إسم المطعم الذي تعشينا به أمس ؟ ..

الطبيلة (الطبلة) ...
كان يلعب مع زملائة الأطفال حين شاهد والدة يدخل المنزل ، هرول وراءة وإرتمى في أحضانه ، ثم إعتدل وقال : أرجوك أن تشتري ليّ طبيلة ياأبي ، صاح الوالد ضجرا : لا ياحبيبي إلا الطبيلة فأنا لا أطيق سماع صوتها ، قال الطفل ببراءة : أعدك ألا تسمع صوتها ياأبي ، فلن أدق عليها إلا وأنت نائم ! ..

حاجز اللغة ...
كعادة أى ثري يعين سكرتارية أجنبية لدواعي كثيرة ، صاحبنا كان لايجيد لغة سكرتيره ، وسكرتيره الوافد حديثا لايعرف لغة البلد ، في يوم نسى خزانته مفتوحة فغنم منها السكرتير مبلغا ضخما ، الثري يعلم أنه الوحيد الذي يدخل المكتب في غيابه ، فإستفرد به في المكتب بعد أن أحضر مترجما وقال له : أسأله أين المبلغ ؟ سأله المترجم ثم قال للثري : يقول أى مبلغ ؟ هاج الثري وأخرج مسدسه ووضعه في جبين السكرتير وقال للمترجم بحسم : قل له إن لم يعترف فورا وبدون مراوغة وإلا قتلته ، نقل المترجم الكلمات ، قال السكرتير المذعور : المبلغ في حقيبة سوداء ، موجودة داخل فرن الموقد في منزلي ، سأل الثري الذي يرتج غضبا : ماذا يقول هذا اللص ؟ قال المترجم : يقول حتى لو قتلتني لن أبوح لك بمكان المال ! ..

سحابة صيف ...
أحلا ما في العمر صدااقة العمر ، صدااقة تجمع بين أديبين مشهورين ، كانا يلتقيان دوما لإجترار مراحل العمر ، وما يطرأ في ساحات الأدب والثقافة ، عصرية يوم كانا يجلسان في بلكونة أحدهما المطلة على الحارة يتحاوران ، مرت ما تخيلاه سحابة صيف فوق رأسيهما ، السحابة أخذت تنقط ندعا إلتقطها صاحب البيت وأخذ يمررها على وجهه فرحا وهو يقول لصاحبه : إغسل وجهك ياصديقي برزاز هذه السحابة المباركة ، فطاوعه صاحبه وأخذ يفعل مثله ، لكن حين نظرا لأعلى لم يجدا السحابة ، بل وجدا القطرات تهبط من بلكونة الدور العلوي لطفل لا يعرف قيود البالغين ! ..

إنسان العصر...
حمل علله فوق كاهليه ردحا طويلا من الزمن حتى ناءت بحملها ، طاف على أحياء المينة بحثا عن مركزا لإصلاح أعطاله ، قال له الطبيب : أخطأت يامحترم ، هذه عيادة بيطرية خاصة بالحيوان ، لم يهتم بل أصر على معونة الطبيب ، لحظة تفكير وقال الطبيب : ياعزيزي أراك تفكر مثلي وتتكلم لغتي ، وهذا يعني أنك إنسان ولست حيوان ؟ الرجل : أعرف لكن أرجوك سماعي ، الطبيب الصبور: حسنا قل ما عندك ، الرجل : يادكتور أنا أستيقظ من نومي صباحا وأهرول إلى عملي كالحصان ، وأتحمل مشاق العمل بلا كلل كالحمار ، وأستمر طيلة العام بدون إجازات كالثور ، وأتمسح بين أرجل رؤسائي كالقط ، ولأهلي بقرة حلوب ، ومع أطفالي قرد لعوب ، ومع زوجتي في الفراش أرنوب ... قاطعه الطبيب: كفى لا تكمل ، فهمت عللك ، فأنا الوحيد في هذا العالم الذي يستطيع فهمك ! ..

زمن الإرهاب ...
مات الرجل الصالح ، صلّى أقاربه عليه في المسجد ، خرجوا بنعشه إلى مقابر البلدة وتبعهم جمع غفير ، جنازة كبيرة خاشعة تصلصل منها أحيانا إبتهالات دينية ذات رنين حزين ، مرت الجنازة على شق زقاق تحتله عربة سندوتشات شعبية ، فول وفلافل وكبدة وشكشوكة ، تسرب غاز كثير من أنبوبة البوتاجاز فإشتعلت ، تلاها إنفجار مدوي أطاح بالعربة وبالطعام على الجنازة المهيبة ، أنسى الإنفجار جمهرة المشيعين الهائم تفكيرهم برضوان الآخرة وهبطوا إلى واقع دنياهم ، بهلع أناخوا نعش الميت على الأرض ولاذوا بالفرار مسرعين ! ..

حال الدنيا ...
مذيع تلفزيوني متأنق ومعجباني ، كان وجهه الذي يقطع الخميرة من البيت يلمع من أثر المساحيق التي وضعوها عليه ، المذيع كان يصف مبارة كرة قدم بين فريقين محليين ، والمشاهد مرغم لأن المباريات العالمية أصبحت تحت التشفير ، كان صوت المذيع الصارخ يمزق المكرفون ، رغم أن المباراة كانت ضعيفة ومملة ، وقبل أن تنتهي المباراة كان الفريق الذي يشجعه قد هزم ، فكان تعليقه الختاميّ : دعوني أعطيكم معلومة قد لا تعلمونها عن الكرة ، فهى إما غالب أو مغلوب أو متعادل ، وهذا هو حال الدنيا ! ..

إشتريتها بمصروفي ...
عاد الشاب من دراسته الثانوية إلى بيته يقود سيارة فاخرة ، ذهلت الأم وسألت: سيارة من هذه ؟ قال : سيارتي إشتريتها بمالي ، الأم : إشتريتها من أين وبكم ؟ قال : من السيدة التي تقطن البيت الكبير بناصية الحيّ وبمائة ريال إقتصدها من مصروفي ، أوعزت الزوجة الجزعة لزوجها أن يتوجه إلى السيدة ، سأل الرجل السيدة : هل حقا بعتي السيارة لولدي ؟
قالت : نعم ، قال : لكن السيارة أغلى بكثير من الذي دفعه ؟
قالت : أعرف ، السيارة تخص زوجي النذل الذي هرب مع سكرتيرته إلى الشام ، ولأنه غير مسموح للنساء بقيادة السيارات ، ولأنه طلب مني خطابيا بيع سيارته وإرسال ثمنها له ، فلقد نفذت ما طلب ، وأرسلت له المئة ريال ثمن بيعها ! ..

حلم كل رجل ...
مثله مثل أى رجل آخر في هذا العالم ظلت نفسه تهفو طوال عمرها إلى ثلاث أمنيات ، أن يكون وسيما كما كانت تردد أمه ، أن يكون ثريا كما يعتقد أبناءه ، أن يكون ذو علاقات نسويه كما تتهمه زوجته ، لكنه لم يستطع تحقيق أى منها فأغلق عينيه وغاب ! ..


***
تصبحون على خير.
جدة فبراير/ شباط 2008 م

الأحد، 16 مارس 2008


للبنات : " العبرة في الصلابة " !

يرويها لكم : مصـطفى سـكر

" الحب وحده لا يكفي في مثل حالتك ، فهذا الرجل له زوجة أخرى وأبناء ، وفارق السن بينكما كبير ، فإذا أضفنا إلى ذلك مرضه ، الذي أثر على قدراته الجنسية (حسب تقرير الأطباء) ، فهذا يعني أنك ستصبحين عبئا عليه ، وهذه زيجة مكتوب عليها الفشل " ! .. (رد من بريد أهرام جمعة 6ابريل2007 على قارئة تطرح مشكلتها ) ..

يأتي على الإنسان حين من الدهر .. يكون مبتليا ومهموما .. هذا حال كل الناس .. وهذا ما حدث لي الشهر الفائت ! .. تراكمت المشاكل علىّ .. شيئ وراء شيئ .. لا حلول .. على الأقل في فسحة الزمن الضيق والغير معقول ! .. وكان صديق لي (رحل عن دنيانا) .. قد صنف المشاكل وحلولها .. من كثرة تكالبها عليه .. إلى ثلاث .. مشاكل لا يحلحلها إلا المال .. ومشاكل تحل بالحوار .. ومشاكل لا يحلها إلا الزمن ! .. وحين إنهمكت في ترتيب مشاكلي .. إنشغلت .. وركبني الهم والغم .. فزهدت في الحياة .. وصرت كئيبا ومحزونا ! .. ذات أمسية دخلت على زوجتي المجلس .. كانت تراقب برنامجا تلفزيونيا .. وتدون في بقلمها في قصاصة .. حين رأتني بشرتني قائلة .. - زين إنك حضرت .. ترى وجدت لك الدواء .. أعشاب ليس لها آثارا جانبية .. تعالج حالة الضعف الجنسي ! .. فاجأتني بشارتها .. فيممت بصري نحو الشاشة .. فرأيت شابا وسيما .. تستضيفه فتاة جمالها يحل من على المشانق .. قلت لنفسي .. - "هاه ياربي .. هذه هى دوائي" ! .. الشاب أظنه مندوب دعاية .. لشركة يقول أنها عالمية .. وأن أدويتها .. المصنعة من الأعشاب الطبيعية .. (يكرر خلّيك صاحي) .. بدون أعراض جانبية .. مضاض للأكسدة .. ويقلل إحتمالات تصلب الشرايين .. وتقوي المناعة .. وتشحذ الصلابة .. وتشعل الباه .. بل .. وتعيد الشيخ إلى صباه ! .. قلت للزوجة مبديا إعجابي بإهتمامها لعلة صحتي .. - والله عفارم عليكي .. إنك كشفتي علتي ! .. - يابعد عمري .. من لنا غيرك نهتم به و ننشغل بحاله .. شهر عليك إنقضى ولم تقربني فشخّصتها لأداويك ! .. - ياحبيبتي لا تنسي أن عيد زواجنا الفضي .. مضى .. وكان الخيط فيه لا يخلو أبدا من الإبرة .. ولمجرد شهرواحد .. إنصدت نفسي فيه .. عن الرغبات والحركات .. تشغلين بالك وتبحثين لي عن دواء ! .. إنقطع حوارنا الخطير برنين الهاتف .. أرخت فيه صوت التلفزيون .. وإنهمكت في حديث مع خالتها ! .. بعد أن إنتهت .. نظراتها تغيرت .. قالت والبسمة هلالا على وجهها .. - ترى يارجلي محتاجينك في مهمة ! .. - آمري .. - بنت خالتي وردة .. جاءها عريس .. ونريدك في مهمة .. "جس نبض" .. لأن المحروس يعمل موظفا بالشركة التي تعمل بها ! .. - أبشري .. فقط إعطني إسمه .. وخللي الباقي علىّ .. - ما أعرف .. إتصل من جوالك على وردة .. وخذ منها المعلومات .. كنت متوقعا مشاهدة مباراة لكرة القدم .. بين فريقين لقاءهما ديربي .. الإتحاد والأهلي السعوديان .. فقلت للزوجة .. - وخّري عني شوى حتي أشاهد المباراة .. كان أستوديو التحليل مشغولا بتحليل المباراة .. فأنصتت وإنتظرت .. أثناء ذلك دخل نفر من أولادي المجلس وتبعتهم أمهم .. بعد إنتهاء التحليل .. قال المذيع الشاب .. فاصل إعلانيّ .. ثم ننتقل بكم إلى الإستاد لإذاعة المباراة .. أول الإعلانات للقناة المترض أن تكون محترمة .. كان عن الحبة الزرقاء .. مسامير تدق في الحائط واحد وراء الآخر فتنثني .. ويأتي مسمار غليظ من الفولاذ فيخترقها .. فيكتب أسفل المسمار الذي إخترق "العبرة في الصلابة" ! .. وبعد عدة إعلانات أخرى .. ظهرت مصاصات عصير منحنية .. ثم تأتي مصاصة مستقيمة يسهل مص العصير منها .. ويكتب أسفلها "العبرة في الصلابة" ! .. سألتني إبنتي الصغيرة .. - ماني فاهمة شيئ يابابا .. ماذا يقصدون ب "العبرة في الصلابة" ؟! .. كركرت أمها ضاحكة وهى تنظر إلىّ .. ثم تمالكت نفسها وقالت لها معنفة .. - ما الذي بكي إلى هنا ؟ .. ومنذ متى تتابعين مباريات كرة القدم .. هيا قومي إنقلعي .. وإذهبي راجعي في دروسك ! .. وردة كما كنت أعرفها .. تخطت الثلاثين .. أكملت الثانوي .. وتركت الجامعة قبل أن تكملها .. إلتحقت بعدة أعمال متفرقة .. لكن لظروف صحية لزمت البيت ! .. سمينة جدا من مقاس(XXXL) .. نظارة طبية سميكة .. شعرها تساقط كله .. حتى صارت رأسها تشبه صلعتي اللامعة .. تخطف الأضواء والألوان ! .. منذ أكثر من عامين .. دبست معدتها .. ولبست عدسات لاصقة .. وركبت باروكة .. فلما رأيتها منذ ما يقرب الشهرين .. رأيتها تشبه خشبة تسويك الأسنان .. فصحت مدهوشا : " ياأرض إحفظي ما عليكي " ! .. وكما عرفت من زوجتي .. البنت إتهرشت شوىّ .. حين رأت كل صحويباتها تزوجن .. أصابها الهلع .. فشرعت كل الأبواب التي كانت موصدة ! .. البنات حين يتخطين الثلاثين .. تأخذهن الوساوس .. يردن الزواج والخروج من بيت أهليهن .. "لا أنكر عليهن هذا الحق" .. فيبدأن بقصقصة المقاييس والمكاييل .. التي كن يضعنها لفارس الدهناء .. أقصد (الأحلام) ! .. قالت لي في التلفون .. - (عادل) يلح علي منذ سنوات ست .. بالزواج .. لكني كنت أرفض .. لأنه متزوج وعنده أولاد ! .. - معكي كل الحق .. وإن كان بعض الفتيات يقبلن الآن بالمتزوج .. هذا إن كان مقتدرا .. نظرا للظروف الحرجة الموضوعية .. التي غمرت البلاد ! .. - عادل مقتدر .. وقد غيرت رأيي .. بعد يومين سمحت لي الظروف .. أن أكون قريبا من مكان عمل عادل .. عرفته بنفسي .. ودخلنا في دردشة ودية .. كان قصدي منها إزالة النشاء من ياقتينا ! .. إكتشفت من هذه الجلسة أن عادل .. في الخامسة والخمسين .. طويل وبنظارة سميكة .. ورأسه صلعاء مثل رأسي ورأسها .. وإنه "كلمانجي" أى أن كلامه مدهن بالزبد والعسل ! .. خرجت من عنده بعد ساعة .. بعدة إنطباعات .. أو .. بثلاث عناويين :

• الصحة ( منتهي) .. الرجل يشكو من .. إرتفاع عالي في ضغط الدم .. وفي نسبة السكر(400ملليمول) .. حين كشف لي عن أرجله .. رأيتها متورمة وملأى بالبثور .. قال أن الكشف بالسونار .. أثبت أن الدم يقل في شرايينه .. إبتداءا من وسطه وينعدم تقريبا عند أصابعه .. وأن الأطباء حذروه من الوقوف طويلا .. وأنه صار يخشى من بتر أصابع قدميه .. وطلب مني الدعاء له ! ..

• المال (شحيح) .. الرجل يشكو من ضائقة مالية .. لدرجة أنه قال أنه ذهب وتهاوش .. في مدرسة إبنه الذي يدرس الثانوية .. لأنهم طلبوا منه (2000) ريال نظير مجموعات التقوية .. وطلب مني سلفة ! ..

• الزواج(طق حنك) كما يقول الشوام .. الرجل يقول أنه يعمل مسؤولا عن مراكز ترفيه الشركة و يتعامل مع إناث كثر .. وشغلته هذه جعلت ملافظه تنعم وتتلطف وتلين .. وأن بعض الحريم .. وليس كلهن .. قد يسئن فهم نعومة كلماته وليونة تعبيراته ويأخذنها على محمل آخر .. وطلب مني أن أتفهم موقفه ! .. إتصلت بوردة بالموبايل وأخبرتها .. بحصيلة ما حصلت عليه من معلومات .. البنت ياحبة عيني .. لم تفهم .. ولا تريد أن تفهم .. صحيح أنها أصاغت كثيرا لأقوالي .. لكنها في الأخير قالت ببساطة أو ببلاهة .. - ماعندي مانع من الإرتباط به .. على حالته هذه ! .. قلت مغتاظا .. - ياوردة الرجل ماعنده دراهم .. - لا عنده .. لكنه بخيل شويّ .. - ياوردة الرجل ماعنده نية للزواج .. - لا عنده .. لقد كرر طلبه على مسامعي أمس .. ومن يأسه قال بعظمة لسانه .. " سأستمر بطلب الزواج منكي إلى أن ترضي .. وإن أدركني الموت .. سأنتظرك في الآخرة وأتزوج منكي " ! ..

- ياوردة الرجل صحيا منتهي .. - معلش أتحمله ! ..

- إفهميني الله يهديكي .. الرجل منتهي (يعني) ماعنده صلابة .. ما أقدر أفسر لكي أكثر من كدة إفهمي مابين السطور ياوردة ! .. - فهمانة عليك كويس .. سأتحمله على علاّته ! .. سكرت الخط وكلي عجب من هذه البنت العبيطة .. تتحمله على علاته .. " هاهاهاهاىّ " ! .. تتحمل رجل عجوز ومتزوج ومريض وبخيل وألعبانجي .. إنها خايبة وهبلة ! .. أو لم تفهم تلميحاتي ؟ .. أو أنها غير مطلعة على مايتم بين الأزواج في الظلمة ؟ .. ولا تقرأ رسائل النساء في الصحف .. ولا تسمع عن دعاوي الطلاق في المحاكم بسبب العجز إياه ! .. ومع هذا فأنا لا أقدر على مصارحتها بأكثر مما قلت .. إذ كيف أقول لعذراء .. أنه لا يوجد في زماننا هذا .. أنثى واحدة ترضى بأن تبدأ حياتها الزوجية أو بأن تعيش مع رجل .. ماعنده (صلابة) ؟! ..

أثناء عودتي من العمل بالسيارة .. توقفت عند تقاطع طرق .. لا توجد به إشارات مرور .. كانت سيارة أخرى تقف في التقاطع المقابل لي .. فرفعت يدي للسائق ليتقدم .. فالأولوية له ذوقيا .. والقيادة ذوق وفن وأخلاق " على آية حال " ! .. لكن السائق لم يكن منتبها لي .. فقد كان يتشاجر مع إمرأة مبرقعة بجواره .. "بظني الحسن قلت أنها زوجته" .. لأن الأزواج هم وحدهم الذين يتشاجرون .. دفعني الأدب للإنتظار .. حين إلتفت نحوي .. أشرت له بيدي ليأخذ أولية المرور.. لكنه إستدار إلى زوجته وضربها بوكسا .. لأنها أشارت في وجهه بأصبع ملتوي ! .. رأيت إشارتها من موقعي البعيد وفهمت .. كان أصبعها يمثل المسامير الملتوية .. أى كانت تعيّره .. بقلة الصلابة ! .. ولهذا إغتاظ الرجل وبكسها بقبضة يده .. وجد أن هذا هو الرد العملي المناسب لمعايرتها له بفقدان الصلابة ! .. لما وجدت أن عراكهما سيطول .. وأنه لن يتحرك .. بدأت أنا بالتحرك ! .. لكن وقبل أن أعبر نصف التقاطع فوجئت بسيارته تتحرك نحوي ! .. اللعنة على الشيطان .. الرجل ضعيف الصلابة سيصدمني .. دعست بكل قواي على دواسة البنزين حتى أعبر وأتفادى الإصطدام به .. عبرت والحمد ولله سالما ! ..

لكني سمعت من خلفي فرقعات .. "طاخ طيخ طوخ طراخ .. بووووووووووووم" ! .. نظرت في المرآة العاكسة .. فعرفت أن سيارة مسرعة كانت خلفي .. لم تهدئ أو تتوقف عند التقاطع الخطر .. فإصطدمت بعنف في سيارة الزوجين المتشاجرين ! .. ورأيت قطعا من زجاج الأنوار وطياس الإطارات وشظايا الصدامات .. تتطاير وتتناثر في الهواء من السيارتين .. كأنها سرب من الحمائم قذف بحجر فطار مذعورا .. أوقفت سيارتي وهرولت نحو الحادث للمساعدة .. وجدت ركاب السيارتين في حالة جيدة .. لكنهم ظلوا داخل سياراتهم .. الأول مازال مشتبكا مع زوجته في الشجار .. والسيارة الأخرى بها رجلا وإمرأة يتعاركان بالأيدي .. تقهقرت مبتسما وذهبت إلى سيارتي .. حين إستويت على مقعدي .. حمدت الله أن أم العيال لم تكن معي ! .. ( القصة إنتهت ـ وتصبحون على خير ـ مصطفى سكر ـ جدة ـ )

السبت، 15 مارس 2008

Inflated



كُليزار أنور Guest Writer*

مُفخَخَة

في لحظةٍ حاسمة قررت أن أضع حدا لِما أنا فيه.. تراكمات ترسبت في داخلي يوماً بعد آخر، كزلزال يريد أن يتحرر من الحمم التي تمور في أعماقه . ركبتُ سيارتي ذات صباح مبهم المعالم.. وضعتُ ذاك الشريط الذي يحرقني ويحولني لرماد.. رحماكِ فيروز.. موسيقى الرحابنة تئن وأئن معها. الشوارع مغسولة بمطر الليلة الماضية.. السيارة تلهث وهي تصعد الطريق إلى هناك.. تقودني لذلك المكان الذي خسرتُ نفسي فيه.. نزلت من السيارة.. السكينة تفشي المكان.. وقفت على حافة المنحدر، منحدر شاهق.. أنظر من فوق نحو الوادي العميق.. غابة كثيفة من الشجر ممدودة الأفياء ويخترق الوادي درب عميق . هنا فاتحني.. كم كنتُ ضعيفاً.. صديقي الذي قابلتهُ بعد ضياع دام عشر سنوات. اتصل بي فجأةً والتقينا بعد أيام. بنظارته الطبية الأنيقة يقف أمامي.. كنتُ أكن لهُ احتراماً عميقاً يصل حدود الحب . كان ابن منطقتي وزميل دراستي في الإعدادية والكلية، فقال بفرح وهو يحتضنني : - أتعرف لم أنسك.. دائماً يلمع وجهك في ذاكرتي وينطفئ.. إلى أن قصدتك اليوم . قبل فترة وصلت العراق . ضحكة صغيرة ترتسم على شفتيّ وأقول له : - للعمل.. أم لزيارة الأهل ؟ - الاثنين. ما تزال ذكرى زمالته تحمل معها توهجاً دافئاً في قلبي .. كان وما زال يتمتع بسحرٍ أخاذ وبتصميم بالغ ، باستطاعته أن يلهم المحبة.. كان لطيف المعشر ، واسع الادراك، وغير ممل أبداً . مالَ نحوي وهمس في أُذني : - لقد اخترتك _ أنت بالذات _ لتعمل معي . - وماذا سأعمل ؟ رد بصوت متزن : - أنا سأقول لك في وقتها . - أعتبر ثقتك هذه مكافأة كبيرة لي . - الزمن كفيل بحلِ المشاكل .. أليسَ هو نفسه ( الزمن ) الذي أوجدها ؟! - لا أعرف كيف أشكرك . أغدق عليّ بالهدايا التي ادعى بأنهُ جلبها لي من الخارج .. فرحتُ كثيراً بالموبايل الذي أهداني إياه ، كم كنتُ بحاجةٍ لهُ . لم أُفكر بأنهُ مجرد طُعم .. ولماذا سوء الظن ، فقد كُنا صديقان حميمان في الكلية .. هو ترك الدراسة في المرحلة الثانية وغادر .. أما أنا بقيت وتخرجت .. وماذا جنيت ؟ لا شيء سوى البطالة والخيبة ! أذرع الطرقات وأتسلى في المقاهي لأعود مساءً لأخواتي المسكينات . وجدتها نجدة من السماء ، فسألتهُ يوماً : - وماذا بعد هذه الهدايا ؟ التفت مبتسماً : -لا تنسى .. أنت صديقي القديم . نظرت إليه ملء عينيّ وكأني أُؤكد عليه : - لكنك افترقت عني سنين طويلة ولم تتذكرني حتى برسالة قصيرة . فأردف دون أن يعطيني مجال للشك : - حالتي المادية وقتها لم تكن جيدة .. وأول ما تحسنت فكرت فيك .. والأقربون أولى بالمعروف . تعوذت في داخلي : يا ربي لِمَ سوء الظن .. ربما كذلك . انتبه لشرودي ، فقال : - لا تفكر .. أنصحك .. عش حياتك يا عزيزي .. ودع أخواتك يعشنّ .. من حقك وحقهم التفكير بمستقبلكم في بلدٍ لا مستقبل به . الأيام مرت بسرعة مدهشة .. والتقينا من جديد بعد اتفاق . بِبحة جميلة ، مليئة بجاذبية غامضة قال : - سآخذك إلى مكانٍ جميل . عجلات السيارة تنهب الطرقات . خرجنا حدود المدينة .. وصلنا لطرفها الغربي .. نزلنا من السيارة . تداخلت الألوان المتدرجة على صفحة السماء . أضاءت عيناه بودٍ قديم .. عيناه صافيتان ، ذكيتان ، صريحتان ، لكن بدا يتضح فيهما بعض الخبث . - أتعرف ما نوع عملك معي ؟ - لا طبعاً . - عمل بسيط مجرد سيارات سنتركها هنا وهناك . قالها وهو ينظر في عينيّ تماماً . نظرت إليه بقلق وسألت بخوف : - ماذا ؟! وتتكسر كل الأغصان المورقة في قلبي ، ودون أن يتركني أشك في كلامه أضاف : - انهُ عمل وطني .. إننا نقاوم الاحتلال . ولَما رأى الدهشة في وجهي قال برخاوة يريد أن تمتص توتري : - إن لم تفعلها سيفعلها مئة غيرك ، لكنك أحوَج .. واخترتك لأنك صديقي ، ولأني متأكد بأنك بحاجة ماسة لمجرد أن تعيش كإنسان . مضينا تحت الأشجار الصامتة كأنها شهود واضعاً يديه في جيوب سترته الجلدية .. وقال دون أن يحوّل نظره عن شجرة الزيتون : - انظر حولك .. كم سيارة مفخخة تنفجر كل يوم وكم عبوة ناسفة . نظر إليّ بحيرة ، ثم عاد ينظر إلى الشجرة .. نظرته تنتظر جوابي : - لكن الضحايا ليسوا الأمريكان في كل مرة .. الضحايا _ دائماً وأغلبهم _ أُناس أبرياء من بلدنا . مسحَ شعره بصورة آلية . وقال بصوت خافت ، وهو يحاول أن يبتسم : - انهُ قدرهم أن ينتهي أجلهم هكذا . - ومَن السبب ؟ تظاهر وكأنه لم يسمع ، ثم أدار وجهه ببطء : - دع الأمر للمقادير ! السماء بهتت زرقتها.. إلاّ أن فيضاً من أشعة الشمس ما زال مليئ بها . أتفرس فيه.. ما حول عينيه قد تجعد وتحول إلى لون داكن . يخلو وجهه من أي تعبير وكأنه لا يفكر بشيء. وكي أتحاشى النظر إليه كنتُ أنظر إلى السماء أو للسيارة أو حتى للعشب الذي نمشي عليه. لم أتفوه بكلمة.. كل الكلمات جمدت في حلقي ، قشعريرة مرت في جسدي وكأنها موجة برد تجتاحني فجأةً.. لم أقل شيئاً، مددت يدي بصعوبة لأفتح باب السيارة وأجلس. وركب هو أيضاً. نحتنا الصمت تمثالاً أمامنا لنعود إلى المدينة. أوصلني للبيت. ومضى دون أن ينطق حرفاً واحداً. نور آخر المساء يبعث في داخلي أحاسيس غريبة لا أفهمها . هل استطاع أن يقنعني .. أن يرخي فكري وعقلي ؟؟ تكدست في أعماقي جدران مهدومة . الشقاء أرخى سدوله الكئيبة على قلبي وجلله بالسواد . وهبط الليل .. ليل ثقيل وموحش . ضباب الحلم يتكاثف ، فأغرق في حزني.. حتى الحزن فقدَ معناه ! الدمع يثمر في أهداب هدأة ليلتي هذه . أُخبئ بين جنبيّ أمراً موجعاً .. ليسَ باستطاعتي البوح به .. النار تأكل صدري .. مَن يطفئها ؟! أسندتُ رأسي إلى النافذة .. أنظر إلى نقطةٍ ما من خلف الزجاج .. يبدو الليل كخيمةٍ سوداء قاتمة . الريح تعوي في الخارج . ياه .. كم تأخر الفجر . صوت سقوط المطر في أُذنيّ كأنهُ شلال خرز يتدفق . من ضمير الذاكرة ينبثق صوت عميق وتتدافع مشاعر الغضب في نفسي ، فنطقت لا إرادياً : لا . موجة نسيم مرت من أمامي ، تحمل لي معها صوت من بعيد .. آه .. انهُ صوتٌ قريب .. صوتٌ لا أتمالك نفسي أمامهُ .. وتراءت لي عاتبة حزينة .. غمرني خجل وأسف عميقان . وفجأةً انفتح العالم أمام عينيّ حدائق نور و ورود .. انهُ صوت أُمي أعادني للواقع . أركب السيارة ثانيةً .. أعود للوراء .. بأقصى سرعة أنطلق .. تجاوزت المنحدر .. وبدل أن تسقط في الوادي ارتفعت بي وكأنها طائرة أقلعت من مدرجها .. أنظر من الأعلى .. أشجار ذاك الوادي تبدو صغيرة وكأنها حشائش .. وواجهتني غيمة كبيرة .. قلت في نفسي .. ستخترقها ، لكنها ارتفعت أكثر لتستقر عليها ، لم أكن أنا مَن يقود السيارة ، بل هي التي تقود نفسها .. نزلتْ .. أقدامي تغوص .. وكأنه ثلج .. أرى أُمي من بعيد .. تتدحرج دمعة على خدها .. تمسحها بهدوء.. وتأخذ بيدي .. نمشي خطوات في أرض القطن هذهِ .. نصل إلى ما قبل الحافة .. تُشير لي أن أنظر إلى تحت .. ونظرت .. كانت هناك سيارة _ ما زالت _ تحترق في أسفل الوادي !

الأربعاء، 12 مارس 2008

Arabic stories

03 مارس، 2008

Orange From Jaffa
كتاب عراقيون وعرب - مصطفى سكربرتقالة من يافا ...أحن إلى خبز أمي ..
وقهوة أمي ولمسة أمي ..
وتكبر فيّ الطفولة يوما على صدر أمي
وأعشق عمري
لأني أخجل إذا مت ..
من حزن أمي ومن دمع أمي ! ..
( من قصيدة إلى أميّ ـ للشاعر الفلسطيني ـ محمود درويش )
نشرت بعض المواقع الإلكترونية الفلسطينية ، وأكدته صحيفة معاريف الإسرائيلية أمس 22/12/2..6م ، خبر وفاة الدكتورة سلمى عبد الحليم الكوردي ، الناشطة الحقوقية المعروفة في حقوق الإنسان ، وصاحبة ومديرة مكتب الكوردي الحقوقي بمدينة يافا ، وقد صلىّ على جثمانها بعد صلاة ظهرأمس ، لفيف من الوجهاء والمشايخ ، وجمع غفير من المصلين ، بجامع حسن بك بيافا ! وكانت الدكتورة الكوردي قد أصيبت بداء الكبد الوبائي ، من الفئة (C) ، ولم تفلح العلاجات التي أخذتها في الإبقاء على حياتها ! .. والكوردي حاصلة على الدكتوراة في القانون من جامعة لندن يونيفرسال كولدج ، وكانت متزوجة من شاب أرجنتيني من أصل عربي توفى في حادث طائرة في أوروبا ، وأنجبت منه إبنها الوحيد زكريا ! ..
أنا / زكريا .. أو .. زكرياس راؤول إبرام خوسو ، إبن الكتورة المتوفاة .. اليوم سلمتني إبنة خالتي رباب ، بعد أسبوع من الوفاة ، دفتر مذكرات أمي قائلة بحزم : " فصلت لك الصفحات التي تحمل أجوبة الأسئلة التي طرحتها علىّ ! بقصاصات صفراء لاصقة Post it)) ، ولي عندك رجائين إثنين ، أولهما أن تقرأ فقط الصفحات المعلّمة ، وتترك الصفحات الأخرى ، لأنها تحوي حوادث شخصية تخص أمك وحدها ، لا داعي لفضها الآن على الأقل ! ثانيهما ألا تشغل نفسك الآن بغير دراستك الجامعية ، فلم يبق لك غير عام واحد ، تحصل بعده على الشهادة ، وبعدها يحلها ألف حلاّل ، إتفقنا يا(زاك) ؟ قلت لها إحتراما : " إتفقنا " ـ فهى تكبرني بأربعة عشر عاما ، وكانت تعمل مساعدة لأمي في مكتبها القانوني ، وأصبحت بعد وفاة أمي ، السيدة الأولى ! ..
***
الفاصل الأصفر الأول :
الثلاثاء 14/7/1987م.
قبل أن تصل الطائرة إلى نهاية المدرج .. كانت قد ركبت الهواء .. وأخذت تنطلق مثل السهم المارق إلى عنان السماء .. كانت أنوارها الداخلية باهتة .. أصوات ركابها المشدودين بأحزمتهم إلى الكراسي .. هامسة وخافتة .. لا يقطع السكون الحذر في داخلها إلا صرخة طفل .. أوطرقعة أصبع المضيفة الجالسة .. لتنبه ذوي طفلة شاردة ! بعد أن صعدت الطائرة إلى الإرتفاع المطلوب .. وبدأت تميل إلى الوضع الأفقي .. إنهمر سيل الهواء البارد الذي كان ضنينا .. ولعلعت الأضواء التي كانت شاحبة .. وقامت المضيفات من مجلسهن يهرولن .. أطفئت إشارات ربط الأحزمة .. علت الأصوات والكلمات والصيحات والضحكات .. بعد أن زال القماط الضاغط الذي كان يجعل الكل مشدودا ! .. - Miss.. Miss can I change my seat now? " ـ هذا ماقالته بإلحاح البنت التي تجلس جواري ، بعد أن جذبت يد المضيفة المتعجلة ! .. قالت المضيفة وهى تضحك : " O yeh .. Give me a second .. " ـ ثم إنطلقت في إتجاه المقعد الآخر ! من قبل أن تقلع الطائرة والبنت تلح عليها .. في تبديل مكانها مع شخص آخر .. هذا الآخر يجلس بجانب رفيقها في مقعد أمامنا .. في الصف الآخر من الردهة ! .. لا أعرف مالذي حدث عند ترتيب المقاعد في (الكاونترات) ؟ ولماذا وضعوها بجواري ؟ فأصبحنا في هذا المقعد فتاتين .. وفي المقعد الآخر شابين ! .. إنه فصل تعسفيّ بين الجنسين لم نتعود عليه .. وكأننا في أحد دول الشرق الأوسط المحيطة بدولتنا ؟! .. إنحنت المضيفة عليهما وأخذت تهمس وتشير بيدها نحونا .. لوى أحد الشابين عنقه نحونا .. ثم هز رأسه وغمغم لها ببعض الكلمات .. أتت المضيفة مسرعة إلينا ، كنحلة تنتقل من وردة لأخرى .. دون كلل لتؤدي وظيفتها ! .. هذه المرة كلمتني أنا : " Do you mind if the young man comes and sits next to you ?" بادلت إبتسامتها بإبتسامة أجمل من إبتسامتها وقلت : " I have no objection at all ! " .. فماذا يعنيني أنا إن كان من يجلس جواري .. شاب أو فتاة .. هذه أشياء عادية دائما ما تحدث في الطائرات .. تعودت عليها من كثرة أسفاري .. وتعودت كذلك على ألا يشغلني أحد عن قراءاتي أو عن أفكاري ! .. كان نظري متجها إلى النافذة القريبة مني .. حين قدم الشاب وأخذ يحوم حول المقعد .. في إلتفاتة سريعة وجدته شابا أنيقا .. يلبس بذلة رمادية وربطة عنق بخطوط مائلة من نفس اللون .. كم أعشق اللون الرمادي على الرجال .. إنه يعطيهم وقارا ووجاهة وجاذبية .. أظنهم يعرفون ذلك ؟ .. - " اللون الرمادي لا يختاره إلا رجال الأعمال ! " - هذا ما قالته لي صاحبتي كارين المشرفة على قسم الملابس ب (ديزنجوف مول) بتل أبيب ! سحب الشاب المنضدة التي كانت مطوية .. في ظهر الكرسي المقابل أمامه .. وضع فوقها علبة ملفوفة بعناية .. إعتقدت أنها هدية نفيسة إشتراها من تل أبيب .. ليهادي بها أحد معارفه .. أطرقت إلى النافذة ، أقول في نفسي : " لماذا لم يضعها في حقائبه ، أوفي حقيبة يده التي دسها بالدرج العلوي ؟! .. أتأمل نتف السحب الرمادية المنتشرة على غلالة السماء .. ثم أهوي بنظري بين الفينة والأخرى إلى حصيرة الماء الداكنة البعيدة للبحر المتوسط .. رأيت باخرة تلمع وهى تشق حصيرة الماء في هدوء .. خلفها شريط أبيض طويل من الماء ناتج من إختراقها للجته .. الباخرة من علوّنا في حجم ظفر الأصبع .. ترى كم عليها من بشر ؟ .. وكم من أطنان البضائع ؟ .. وهل ضمن بضائعها برتقال مدينتي ؟! .. حين ركبت طائرة (العال) من مطار بن جوريون .. بتل أبيب ! كنت قبلها وأثنائها مشغولة بهذه الرحلة .. أكثر من أى رحلة أخرى قمت بها .. فهذه أول مرة أذهب في رحلة تستغرقني عامين .. أقضيهما في بريطانيا .. سفرة دراسية للحصول على شهادة الدكتوراة ! .. كنت قد حصلت على شهادتي الجامعية الأولى .. من جامعة (بارإيلان) الموجودة ببلدة (رمات غان) قرب تل أبيب .. ثم إنتقلت إلى جامعة تل أبيب وحصلت على الماجستير .. عينت بعدها معيدة بقسم الجغرافيا .. إلى أن رشحني الدكتور رومان رئيس القسم .. لبعثة الدكتوراة في بريطانيا ! .. إمتننت لصنيعه فشددت على يده فرحة وهو يبشرني .. قائله في عرفان : " أعرف أني عاجزة عن رد جميلك ، لكني لن أنسي صنيعك ! ".. أجاب الدكتور بتواضع جم ، بمقولة لخليل جبران : " " There are those who give with joy, and that joy is there reward ! " .. ـ " البعض يعطي بإبتهاج ، وذاك الإبتهاج هو جائزته ! " .. كانت نتف السحاب الرمادية قريبة إلى حد ما تحتنا .. لكنها الآن تباعدت وتفرقت وبعدت .. ذكرتني ببلداتنا وقرانا العربية في إسرائيل ! .. كانت هذه البلدات والقرى ترصع أرضنا الطاهرة ، مثلما ترصع نتفات السحب الآن هذه السماء المباركة ! .. كانت الأرض تتسع لكل البشر من كل لون وجنس .. بخور بركات أرض الأديان السماوية .. كانت تجمع الكل في حب وسلام ووئام ! .. لكن الحروب الكونية والأطماع الكولونية والمؤامرات الصهيونية ، غيرت كل شيئ ! .. أبتليت أرضنا ببلية إسمها (الإنتداب) .. فزرع في تربتنا الطيبة .. عقيدة بغيضة سمم بها سلامنا .. عقيدتة هذه هى (فرق تسد) بين الأقوام المسالمة ! .. إضمحل السلام وإختفى الوئام .. بعد أن تشكلت عصابات إجرامية .. قامت بمذابح عنصرية .. بأغراض توسعية .. وأصبح القتل على الهوية .. هو شريعة الغاب الجديدة لهذه الأقوام التي كانت تعيش في سلام ووئام ! .. كثيرا ما ساءلت نفسي : " لماذا تشعر بعض الأقوام بالتميز على الآخرين ؟ .. ومن ذا الذي يغذي هذه الشعوب بهذه النعرة القبيحة ؟! " .. هذا أبيض وهذا أصفر وهذا أسود .. فإن كانوا من لون واحد .. فهذا شيوعي وهذا رأسمالي ! .. فإن كانوا من عقيدة واحدة .. فهذا مسلم وهذا مسيحي وهذا يهودي .. فإن كانوا من دين واحد ! .. فهذا سني وهذا شيعي وهذا درزي .. وإن كانوا من مذهب واحد .. فهذا فهذا سيد وهذا شريف وهذا عوام ! .. عالم غارق في التفرقة العنصرية إلى أذنيه .. والمضحك المبكي .. أنه يحاربها ويغذيها في نفس الوقت ! .. الله وضع لجميع الأديان ، خريطة طريق واحدة .. إن تمسكوا بها لن يضيعوا أبدا ! .. وهى مذكورة بصيغ مختلفة مفادها : " إنا جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا " ، وليس لتتمايزوا أو لتتباغضوا أولتتقاتلوا ! .. الحروب تخلف وراءها كوارث إنسانية .. كما حدث للعنصر اليهودي .. في الحرب الكونية الثانية على يد الزعيم النازي هتلر ! .. وكما حدث لشعبنا في نكبة 48 م على يد ذات العنصر ! .. حاول الأوربيون أن يتطهروا من خزاياهم .. فمكنوا اليهود تحت إنتدابهم من أرضنا .. بهكذا شرع اليهود التسلل في هجرات كبيرة .. إلى أرضنا .. أرض ( الميعاد) كما يزعمون ! .. مع حملة الناصر صلاح الدين الأيوبي .. جاء جندي .. جندي من كوردستان .. جاء مع جنود الناصر لتحرير الأرض المقدسة .. من الغزو الأوروبي الذي يحمل لواء الحرب الصليبية ! .. رسمة هذا الجندي الذي صار عميدا لأسرتنا .. مازالت معلقة على جدار بيتنا العتيق .. بقرية بيت دجن (دجانا) .. التي تبعد عن يافا بتسعة كيلومترات ! .. بالسروال الكوردي ذو الحجر المدلّى .. والحزام العريض .. والقميص الخشن ، وصديريته المطرزة .. وأحزمة نطاق أسلحته المتقاطعة .. وعمامته المشدودة على رأسه .. وشاربه الكثيف الذي يغطي بسمه زهو .. وثقة وإفتخار عفيف .. توارثتها عنه أجياله .. وما زالت تذكرنا بماضي تليد إشتهر به الأيوبيين .. وملامحها ظاهرة حتى الآن على جنود البشمركة من البرازانيين ! .. هذا الجندي الفلاح الخشن القادم من أعالي جبال كوردستان .. تزوج بفلاحة رطبة لينة يافاوية من فلسطين .. جذورها راسخة في أديم أرضها .. وفروعها باسقة ومشرعة في السماء الصافية ! .. أنجبت الزيجة كمّا من البنين والبنات .. وبمرور الزمن صارت عائلة الكوردي .. عائلة كبيرة منتشرة في أرياف يافا ! .. أنا كدارسة متخصصة في الجغرافيا .. وملمة بالتاريخ .. وأعرف القانون .. ملمة بكل جغرافية بلدي .. وبالأخص مدينتنا الحبيبة يافا .. وما يحيط بها ! .. يافا من أقدم المدن التي عرفت في فلسطين .. فهى تقبع في منتصف الساحل الغربي .. المطل على البحر المتوسط .. وتشتهر بمينائها البحري الذي يعتبر من أهم الموانئ .. في تصدير أو إستيراد البضائع .. أو في إستقبال أو توديع المسافرين ! .. وتشتهر يافا أيضا بحمضياتها .. فأرضها الخصبة وبياراتها السخية .. جعلت لبرتقالها شهرة عالمية طارت شرقا وغربا .. وأؤكد أنه لا مثيل له على وجه البسيطة .. لا في الشكل ولا في الرائحة ولا في اللون ولا في الطعم ! .. يسألني طلبتي أحيانا عن مدينتي يافا .. لماذا لا تتطور .. لا تتقدم .. لا تتعصرن .. مثل تل أبيب ؟! .. أقول بقهر إنها الأم ! .. تنجب الأم من رحمها الأولاد .. ترعاهم وتربيهم .. تنسى نفسها فتهرم وتتأخرعنهم .. يتقدم أولادها عنها .. يجافونها ثم ينسونها .. لكنها تظل تذكرهم مع كل دمعة عين تسقط من مآقيها ! .. حين أنظر إلى صورة حفيده .. عيسى الكوردي .. الذي هو جدي .. أرى على إلتماع عينيه تضاريس يافا كلها بأحيائها وقراها ونجوعها .. أى أقرأ التاريخ ! .. كانت يافا مأوى وحضن حنان لكل أبنائها .. من العرب المسلمين والمسيحيين ومن اليهود .. لكن تغيّرا (ديموغرافيا) حصل في سنوات قليلة معينة ، في قيلولة من جفن الزمان ! .. حتى عام 1886م لم يكن في يافا .. غير عدد قليل من اليهود .. لم يكن يشعر بهم أحد .. لأنهم كانوا يعيشون متفرقين في أحياء متباعدة ! .. لكن في وقت من الأوقات .. بتخطيط أو بدون تخطيط ! .. وجدوا أن من مصلحتهم أن يتقاربوا .. فأخذوا ينتقلون تباعا إلى مبان متجاورة ومتلاصقة ! .. بعد أربعة عشر عاما فقط وبحلول 19..م .. أصبحوا يعيشون في حيّين متجاورين .. هما حىّ الصداقة (نيفي صادق) وحىّ السلام (نيفي شالوم) ! .. في 1909م قامت ستون عائلة منهم .. بشراء قطعة أرض (13. دونما) .. بقرض ميسر من بيت المال اليهودي .. الأرض تقع غرب الطريق إلى نابلس .. وتبعد نصف ميل فقط عن الحد الأقصى ليافا ! .. ثم بنوا عليها إثنان وستون منزلا ! .. الأرض كانت فوق تلة تعلو مستوى يافا .. ورياح البحر التي كانت تهب .. تهب أولا على بساتين يافا ثم تصعد إليها .. حاملة أريج أزهارها ورائحة برتقالها .. فلهذا سموا منطقتهم (تل الربيع) .. أى تل أبيب بالعبري ! .. ولم يبلغ عدد المنازل التي أنشأت .. في السنوات الخمس (حسب إحصائية معتمدة) سبقت الحرب الكونية الأولى .. أكثر من مئة وخمسين منزلا .. لأن الحكم العثماني وقتها لم يكن يشجع على التوسع اليهودي ! .. لكن ما كادت الحرب تضع أوزارها .. والعلم البريطاني يرفرف فوق فلسطين .. حتى راحت تل أبيب تطالب بالإنفصال عن يافا .. فإنفصلت في 1922 ! .. وراحت بعد ذلك تنمو وتتسع بسرعة .. إلى أن وصل عدد سكانها في 1947 .. عند صدور قرار التقسيم .. إلى مائتيّ ألف نسمة ! .. وكانت تحدث كثيرا من المناوشات والمجازر ، بين عنصر يهوديّ يريد أن يتمدد .. وعنصرا عربيّا يقاوم هذا التمدد .. وبمرور الوقت أخذت موازين القوى تتغير .. اليهود يساعدهم العالم فيزدادون عددا وعدة .. والعرب ؟! .. .. - " مدام ، بلابلابلا .. ! " ـ ( كلمات بالإيطالية أو التشيكية) أطلقها جاري .. فهمت من إشاراته أنه يريد الذهاب إلى الحمام .. ويرجوني مراقبة صندوق الهدية ! .. قلت له مبتسمة والدهش يرفع حاجبى : " أوكي ! " .. عجيب أمر هذا الشاب الحليو .. يظهر أنه من يهود أوروبا الشرقية .. من بولندا أو تشيكيا .. لأنهم مشهورين بالأناقة والدماثة وغرابة الأطوار ! .. ترى ما الموجود بهذه العلبة .. التي يوليها عناية قصوى .. أهى قنينة عطر غالية .. أم نجمة داوود قيمة .. أم تحفة سيراميك فنية رائعة ..أو شمعدان يهودي متسع .. أم .. ياللهول قد تكون قنبلة جاهزة للتفجير.. وضعها وإنصرف و ستنفجر وتقضي علينا في الجو ! .. إنحنيت برأسي نحو العلبة حبا للإستطلاع .. قلت لو سمعت أى تكتكات لساعة تفجيرها .. سأصرخ بعلو صوتي على من في الطائرة .. حتى ينتبه رجال الأمن ويحضروا ويخلصونا منها ! .. طرطقت أذناي وأرهفت سمعي ، لكني لم أسمع آية تكتكة ! .. إعتدلت بسرعة حين سمعته يقول مبتسما : "Muchas gracias " . أجبت بالإنجليزية : " ? You welcome .. Are you Italian " . فأجاب : " " Sorry, I am not, I am Argentinean, and our language Spanish, as you know !" . وعلى هذا إشتبكنا في حوار بالإنجليزية .. لأنه لا يعرف العربية .. وأنا لا أعرف الأسبانية - " أنت من إسرائيل ، أم كنت في زيارة إليها ؟ .. - " بل كنت في زيارة وبالذات لمدينة يافا ! ".. مندهشة : " يافا ؟! لماذا يافا ؟ ".. ببساطة : " لأن عائلتنا في الأصل من يافا ! ".. بفرح : " نحن أيضا من يافا .. يالها من صدفة عجيبة ! ".. مندهشا : " أحقا ما تقولين ؟! حسنا .. هذه أول زيارة لي لدولة إسرائيل .. ولمدينة يافا .. فإني ولدت بدولة الأرجنتين ! ".. سالته بشوق : " وهل والداك اللذان هاجرا مازالا يذكران يافا ؟ " .. بأسف : " والدي توفي منذ سنين .. لكن والدتي مازالت حية .. كبرت ومرضت وتغيرت كثيرا .. صارت تذكر وطنها في كل وقت .. وأخيرا طلبت مني بإلحاح .. أن آتي لها ببرتقالة طازجة من مزارع يافا .. حاولت أن أثنيها وأقنعها بأن البرتقال متوفر بأسواقنا .. لكنها رجتني على وجه الخصوص .. بتحقيق رغبتها .. والإتيان بالبرتقالة التي تريدها قبل أن تموت .. ولما كنت ولد أمي .. وحب أمي .. وعشق أمي .. وفخر أمي .. وسر أمي .. وحضن أمي .. فقد أحببتها من كل قلبي ! .. وصارت عندي أغلى من الدنيا .. بل هى الدنيا .. إذا غضبت لشيئ غضبت .. وإذا مرضت شقيت .. وإذا ضاقت بها الدنيا ، لإسعداها سعيت ! .. أمي هى كل حبي .. أجيئ إليها متعبا فتأخذني في حضنها .. حضنها ينسيني تعبي ! .. إن أردت الحديث والفضفضة .. أذناها وعاءا عميقا لهمومي .. ولسانها لا يتوقف عن نصحي .. ولا بالدعاء الحارمن الله بنجاحي وتوفيقي ! .. تفعل كل شيئ لإسعادي .. دون أن تنتظر مني رد .. وتسهر على راحتي بكل ود ! .. وأشياء أخرى كثيرة .. لهذا فأنا دائما أحن إلى صدر أمي .. وإلى حضن أمي .. وإلى رائحة أمي .. وإلى نظرة من عين أمي الحنونة ! .. ولهذا حين طلبت .. لم أفكر .. لم أمحص .. لم أدقق .. بل تركت كل أعمالي وحضرت خصيصا لتحقيق رغبة أمي ! ".. أخذني العجب من هذا التعلق الشديد .. فقلت متعاطفة معه ... - " كلامك عن أمك بهذه الطريقة الفريدة .. ذكرني ب محمود درويش ! " .. - " ومن هو محمود درويش ؟ " .. - " شاعر فلسطيني مشهور عندنا .. من قرية البروه .. كتب قصيدة تتطابق مع نفس أحاسيسك الجياشة تجاه أمك ! " .. - " إسرديها علىّ إن كنتي متذكراها ؟ " .. - " طبعا متذكراها .. يقول ولهانا مثلك بأمه .. والأم هنا ممكن أن تكون أما حقيقية .. أو أما مرمزة .. أى بلدته .. أو حتى فلسطين كلها .. يقول : " أحن إلى خبز أمي .. وقهوة أمي .. ولمسة أمي ! .. وتكبر فىّ الطفولة يوما ..على صدرأمي .. وأعشق عمري ! .. لأني أخجل إذا مت .. من حزن أمي .. ومن دمع أمي ! " .. قبل أن أنتهي لا حظت تغيرا حدث على قسمات وجهه .. وإلتماع دمع بدأ يترقرق في عينيه .. فقررت أن أبعده بسرعة عن حنينه لأمه .. - " وهل أحضرت لها ما طلبته ؟ ".. بجدية واضحة : " طبعا .. برتقالة الوالدة التي طلبتها محفوظة بعناية فائقة في هذه العلبة التي ترينها ! ".. زر علىّ الضحك فكركرت بصوت مسموع لدرجة التدمع .. وخجلا منه إستدرت بسرعة نحو النافذة .. حتى أداري رد فعلي القبيح .. ولا يظن أني بما فعله هازئة ! ..
لما توقفت الطائرة في مطار هيثرو .. أسرع جاري بالقول : " أتمنى أن تقبلي مني دعوة عشاء ، قبل أن أسافر راجعا إلى بلدي " .. فكرت قليلا ثم أجبته : " لا بأس " .. وهكذا أعطيته رقم تلفون صاحبتي (منى) ، التي سأنزل ضيفة عليها .. منى صحافية عربية معروفة .. فلسطينية .. تعمل في الصحافة العربية المهاجرة .. ولا أرتاح إلا عندها حين أكون في لندن .. فعلا إتصل بي (راؤول) وقال أنه سيمرني في السابعة مساءا .. حضر بسيارة ألمانية مستأجرة ، وذهبنا إلى مطعم (مامونيا) .. حين جلسنا وأثناء تناولنا لبعض العصائر ، بادرته باسمة : " تصور ياراؤول أني لا أعرف إلا إسمك الأول ؟! " وأنا أيضا لا أعرف من إسمك إلا سلمى ؟ " .. أردفت بسرعة : " سلمى الكوردي " .. - " راؤول خوسو " .. ذهبت ببصري أتجول في جنبات رستوران مامونيا .. أعمدته المخملية وحشاياه الحريرية .. وديكوراته البهية ، التي ترحل بك إلى الأجواء العربية المغاربية .. شموع .. بخور .. أضواء ناعمة .. موسيقي مكسيكية حالمة .. وأجواء مغرقة في الرومانسية .. سألته على سبيل التفكه : " أين تركت البرتقالة ؟ " .. - " في البراد " .. بدون تمهيد .. بحت له بما هداه تفكيري : " إسمع ياراؤول .. يخيل إلىّ أو يتهيأ لي .. أن والدتك المريضة .. حين طلبت منك بإصرار .. أن تجلب لها برتقالة من يافا .. لم تكن تعني الشيئ ماديا .. لكنها كانت تترمز ؟ " .. مندهشا : " تترمز على ماذا ؟ " .. - " قبل أن أوضح .. أرجوأن تساعدني .. وتصارحني ببعض الأمور .. التي توضح لي غموض الرمز في ذهني ؟ " .. - " بكل ترحيب " .. - " فلنبدأ من البداية .. من أين أنتم من يافا ؟ " .. أنزل راؤول كأس العصير من يده .. ثم مرر يده على شعره القصير عدة مرات .. ثم قال على مهل : " نحن من ناحية (كرم صوان) في طرف يافا .. ووالدي هو إبراهيم حوسو الذي كان مسؤولا عن الدفاع الشعبي في الكرم .. وأمي ..هى ناريمان خورشيد .. البنت الوحيدة التي كانت تدافع معهم عن يافا ! .. لكن حين صارت الغلبة لليهود في عام 1948.. تزوجا وهربا بجلدهما من ملاحقة العصابات اليهودية .. التي عزمت على قتلهما ! " .. - " ثم ماذا ؟ " ـ سألت لأستحثه بعد أن توقف .. - " سافرا إلى أمريكا .. لكن السلطات إوقفتهما في المطار ولم تسمح لهما بالدخول .. فأكملا إلى الأرجنتين .. رغم جهلهما باللغة الأسبانية .. وإستقرا في بوينس أيرس .. جاهدا طويلا في الرزق وفي تعلم اللغة .. تعرف أبي على شخص مهاجر من مصر كان يبيع القهوة والشاى بالشارع .. دلّه الشخص على عنوان الكافتيريا التي كانت تقع في بلازا دي ماجو بوسط البلد .. ومن يومها كان يذهب صباحا ليتسلم (طورمسات) القهوة والشاي والشوكلاتة ثم يبدأ دورتة بالشوارع .. ينادي على بضاعته على أبواب المحلات .. وعلى عمال البناء .. كانت الدورة تجعله سائرا على قدميه طول اليوم .. قال لنا أنه إتخذ طريقا يوميا يبدأ من الكنجرسو ناسونال إلى شارع بلجرانو إلى شارع بويدو إلى باتريكيوس إلى سان كريستوبال إلى سان تيلمو إلى 25 دي ماجو إلى مونتسيرات .. هذه الأسماء الغريبة يصعب تقدير طولها بالضبط بمجرد السمع .. لكني حين كبرت قطعتها بالسيارة في عدة ساعات ! .. بعد هذه الدورة في الشوارع يعود مورم الرجلين .. فتقوم أمي بتدليك رجليه .. رغم كونها هى الأخرى ترجع منهكة من خدمتها في بيوت الغير بالأجر ! .. لكن .. ومن سخرية القدر .. إنه وبتوصية من تاجر يهودي غير صهيوني شرب قهوة من يديه .. إلتحق بعمل في مصنعا للنسيج .. يملكه عربيّ من الشام .. كان قد رفض سابقا حتى مقابلته ! .. بعد سنوات قليلة طرده من العمل .. فقرر أن يبدأ عملا منفصلا .. والمدهش أيضا .. أن ذات الشخص اليهوديّ ساعده مرة أخرى بإعطاءه محلا خربا في منطقة تسمى (بوكا) .. أمام محطة قطارات شحن (لابومبونيرا) .. بدأ أبي العمل بنول صغير للنسيج كان مستعملا .. وبإجتهاده وبتشجيع صديقه اليهودي العم سمعان .. كبر العمل .. وأصبح مصنع لابومبونيرا للنسيج في سنوات من أكبر المصانع في بوينس أيرس ! .. أمي وأنا وأخي كنا نعمل معه أثناء دراستنا .. فلما تخرجت أنا من الجامعة تفرغت للعمل في المصنع .. ثم لحقني أخي (إزاك) بعد عدة سنوات .. وما زلنا ندير العمل سويا .. بعد وفاة والدنا وتقاعد أمي لمرضها ! .. - " أنتم الآن ميسورين .. أليس كذلك ؟ " .. - " بالتأكيد " .. - " وأين تسكنون ؟ " .. - " بيت العائلة في حى سان تلمو القريب من بوكا .. وعندنا بيتا صيفيا في أجمل شواطئ الأرجنتين .. في (ماردل بلاتا) أى شاطئ الفضة .. وأمام البيت يقف على المرسى زورقنا الكبير الذي سماه والدي يافا ! .. - " سؤال آخر .. أمتزوج أنت ؟ " .. - " لا " .. - " بصراحة أكثر .. هل لك علاقات نسائية ؟ " .. نظر إلى نظرات ساحرة .. ومالت شفتاه ببسمة ماكرة .. - " الشغل الشاغل للرجال في الأرجنتين .. مركز على أربعة أشياء .. الكره والشواء والشرب والنساء ! " .. عجبتني صراحته وسرتني جراءته .. فقلت له بنفس الجراءة ونفس الصراحة .. - " الآن يمكنني أن أجيب على تساؤلك .. عن معنى الترمز .. أعتقد جازمة أن أمك العجوز المريضة .. أحست بدنو أجلها .. فجرفها الحنين إلى مسقط رأسها .. ولما كان من المستحيل عليها أن تعود .. فقد طلبت أن تذهب أنت إليها وتأتي لها (ببرتقالة) .. برتقالة من وطنها ياحضرة الذكيّ ! " .. - " عجيب .. لقد فعلت هذا حقا ! " .. - " أخطأت " .. " أخطأت ؟ .. كيف أخطأت ؟! " .. - " أنظر عميقا في عيني .. ركز كل طاقتك على وجهي .. وحين أرفع أصبعي .. إسألني بسرعة خاطفة .. من أنتي ؟ " .. بعد مدة رفعت أصبعي .. - " من أنتي ؟! " .. - " أنا برتقالة يافاوية ! " .. علق ضاحكا وهو يصفع جبهته بيده : " Estoy perdido ! " ..
- " بالإنجليزية ياراؤول لأفهمك ؟ " ..
- " I'm lost ! " ـ أنا ضعت ..
***
الفاصل الأصفر الثاني : الإثنين 21/12/1987م .
يعتبر هذا اليوم في الغرب .. هو يوم التغيّر الشتوي .. أى دخول الشتاء رسميا .. كنت قد إنتظمت في الدراسة من نهاية يوليو .. سكنت في مبنى الكلية .. لندن يونيقرسال كولدج .. الواقعة في قلب لندن .. طريق توتنهام كورت .. كنت ضمن كثير من الطلبة المغتربين .. الكلية تعطي كم من التسهيلات لطلبتها .. مكتبات .. حاسبات .. معامل .. محاضرات .. أطقم أكاديمية مؤهلة تذلل كل صعوباتنا .. بدأت دراسة القانون تحت إشراف الدكتور باوسي .. في هذا اليوم .. الذي هو بمثابة الإنقلاب الشتوي .. برد ورعد ومطر وغيم .. زاد على ذلك رنين متواصل للتلفون .. راؤول مرة أخرى .. يرجوني اللقاء لأمر هام ! .. وأنا في هذه المعمعة .. حاولت التنصل منه لكثرة مشغولياتي .. لكن رجاءاته الملحاحة المستمرة أرغمتني على تحديد موعد للقائه ! .. حين قابلته بادرته متوجعة " لقد شنيت على حربا بلا هوادة ! " .. قال ضاحكا " هذا هو أنا .. راؤول .. أنا آسف .. لم أقل لكي سابقا أن راؤول يعني المحارب ! " .. في هذه الليلة تحاكينا كثيرا فتقاربنا .. حكيت له قصة جدي عيسى .. وكيف كان سيدمر تل أبيب في 48م .. إذ إبتكر خطة لتفخيخ البلدة من مصارف مجاريها الواسعة التي تصب في البحر عند حى المنشية ..ولولا جواسيسهم لنجحت الخطة .. لأنهم أسرعوا بإغلاقها بالحديد والأسمنت ! .. ثم مشاركته بعد ذلك للكتان وأخويه .. في صنع ألغام صاروخية من أنابيب البوتاجاز .. وبها دمروا بعض قطاعات من تل أبيب ! .. لكن الإنجليز بإيعاز من اليهود .. تمكنوا من صيد هذا المدفع البدائي .. وإستطاعت عصابة الأرغون بقيادة مناحم بيجين .. من صيد المخترعين وإغتالتهم ! .. كان يسمع بإهتمام ويشير بيده رغبة في مزيد من الكلام .. فحكيت قصة أبي عبد الحليم .. وكيف شارك وهو في العاشرة من عمره .. في تدمير مقر قيادة الهاغانا في بيت يام .. وعرف أن رجالنا كلهم إستشهدوا .. ولم يبق غير أخي أحمد .. الذي هاجر إلى إستراليا وإستقر هناك .. وأن إرتباطي الكبير هو بأسرة أختي الكبيرة عنايات .. وأنهم أقرب الناس إلى وأشدهم إرتباطا ! .. أخبرني فرحا بصدق نبوءتي .. وبخيبة أمله .. قال ضاحكا " قدمت لها البرتقالة اليافاوية .. فغضبت وألقتها على الأرض ! " .. ساعتها تذكرتك وعرفت أني كنت مخطئا .. وأن حدسك هو الذي كان مضبوطا .. فقد كانت فعلا تترمز ! .. أمي تريدني الإرتباط بفتاة يافاوية من بني جلدتها .. تحمل تراثها وطبائعها .. لكن لغبائي .. أحضرت لها الرمز .. برتقالة حقيقة ملفوفة بعناية في علبة فاخرة ! .. في هذه الليلة .. بعد أن حكينا .. وأكلنا .. وشربنا .. ورقصنا .. فاجأني بطلب يدي للزواج ! .. - الزواج ؟! .. - نعم الزواج .. - أنت مجنون ! .. - أنا محارب .. - سأقاوم .. - لن يتوقف هجومي .. أخرجت مفاتيح قلعتي الحامية .. من حافظة قلبي .. وقلت له خذ .. إفتح أبوابها الحامية .. وتفضل بالدخول ستجدها خاوية ! .. وتزوجته ! .. تزوجت من أنهكته ظروف السفر .. من أتعبته الغيوم والرياح والمطر .. ومن قطع الفيافي يعاني ، الخطر .. قال مدي يديكي .. فمددتها حيث أمر ! .. سافرنا سويا في عطلة أعياد الميلاد .. وفي بوينس أيرس .. تعرفت على عمتي(حماتي) ناريمان .. إمرأة مريضة بيضاء مليحة لكنها صلبة .. مازالت تتكلم العربية .. تعيش مع أغاني أم كلثوم وفيروز وأسمهان وعبد الوهاب وفريد الأطرش .. وحكاوي الماضي .. كلماتها عشق وهيام لفلسطين وليافا . وأحلامها كلها تحمل ذكريات نشأتها وشبابها على ثرى تراب وطنها ! .. أما أخاه الأصغر إيزاك ( إسحاق) فهو أرجنتينيّ الشكل والعيشة والهوى .. مع بداية يناير 88م .. رجعت ثانية إلى لندن لتكملة دراستي .. كان راؤول يزورني .. كل شهرين ثلاثة .. خبر يجنن " أنا حامل " ! .. عرفت حماتي فأصبحت تتصل علىّ بإستمرار .. ستزيد من جنّونتي .. تطلب مني الحضور والإقامة عندها .. أردد نفس الجواب .. بعد الإنتهاء من رسالة الدكتوراة يا ماما ! .. لكنها تنسى إجاباتي ! .. في أغسطس 88م .. كنت في الشهر السادس من حملي .. إنتفخت بطني .. زاد وزني .. بطؤت حركتي .. الجميع هنا يساعدني .. الدكتور باوسي المشرف على الرسالة .. الإدارية إيفا ليشينسكا .. الكاتبة فيوليتا .. وحتى عميد الكلية الدكتور بنفيلد ! .. أليس هذا هو ما يجب أن يكون عليه الإنسان ؟ في كل مكان ! .. يمد يده بالمساعدة لأى كائن كان .. يعطف ويرأف ويقدم للمحتاج أكف الحنان .. لكن لو فعل .. فأين يذهب الشيطان ؟! .. كانت الكتب والمراجع والدوريات .. تأتيني من مكتبة الجامعة .. أو من المكتبات المحيطة بنا .. مثل المكتبة البريطانية أو الهولبورن .. أما بالنسبة لحملي .. فقد تحدد النصف من نوفمبر موعدا تقريبيا لولادتي بواسطة الأطباء في مستشفى النساء بمنطقة سوهو القريبة ! .. وتحدد أيضا نوع الجنين بالسونار .. (ذكر) .. أسمته حماتي وزوجي .. إسما مختلطا أسبانيا وعربيا .. زكرياس .. بالعربي زكريا .. " ذكر رحمة ربك عبده زكريا " ! ..
***
الفاصل الأصفر الثالث :
الجمعة 2/12/1988م .
- ؟؟؟؟؟؟؟؟؟ .. ( صفحات هذا التاريخ تركتها فارغة ..لكني عبأتها بعد مرور عشرة سنوات .. فور أن إنجلت الحقيقة التي كانت خافية عن الجميع ) ! .. بعد أن إنتهت صلاة العشاء في مسجد القذافي .. في العاصمة المالطية فاليتا .. خرج رجلان يمشيان على مهل تجاه كورنيش البحر .. جزيرة مالطة تتشكل من ست جزر .. في البحر المتوسط .. ثلاث منها مأهولة بالسكان .. هى مالطا وغوزو وكومينو .. والباقية غير مأهولة .. كومينوتو وفلفلا والقديس بولس ! .. فاليتا العاصمة تشبه سفينة تمخر عباب البحر .. فهى على شكل مستطيل يحيط البحر من كل جهاته .. وعلى حافتها البحرية يقع مطار مالطا الدولي .. المالطيون مسالمون .. وذوي طابع عربي في أغلب عاداتهم .. الناس تتجمع بالشوارع وعلى النواصي .. يتجاذبون أطراف الحديث فيما يشغلهم .. ويتبادلون الأخبار الجديدة .. في المساء يلبسون ثيابا أنيقة .. وترتدي نساؤهم أحلى ما عندهن .. ويذهبون إلى المقاهي والمطاعم المنتشرة على طول الكورنيش .. جلس الرجلان .. اللذان خرجا من صلاة العشاء .. على أحد المقاهي .. دار بينهما حديثا خافتا ومرمزا .. - " عبد الواسع .. متى تصل خبزة العصفور ؟ " .. - " مساء غد على الباخرة كما علمت من رجلنا في براغ " .. - " هل علم أن كسرة هذه المرة .. يجب أن تكون منتقاة .. ومن عناصر غير معدنية .. حتى لا يكشفها حارس قفص العصفور بأجهزته ؟ " .. - " بكل تأكيد .. الرجل قال أن نقاوة هذه الخبزة .. تفوق كسرة عصفور النيجر .. لأني أفهمته أن العصفور الحالي .. من النوع النفيس النادر .. الذي لا يرضى بأى كسرة غذاء ! " .. - " عليك نور ! " .. - " قل ياحنيفي .. كيف ستدس الخبزة للعصفور .. دون أن يعلم الحارس ؟ " .. - " بسيطة ياأخي .. الشخص المتعاون هنا .. سيدخل بها من الباب الخلفي للقفص .. ثم يدسها في حقيبة " .. - " إلى أين ؟! " .. - " بعد تدقيقات كثيرة .. ولدواعي الأمان .. قلنا خلها تأخذ جولة حول الدولة .. يعني تلفلف شوية .. تمويه كما تعلم ! " .. وجدنا أنه من الأحسن أن نتخذ مسارا ملولوا آمنا .. تخرج من هنا إلى فرانكفورت بشويش .. ومن فرانكفورت تنقل لحقيبة أخرى إلى لندن وبشويش .. ومن لندن تنقل لثالثة إلى نيويورك وأيضا بشويش .. ثم تعطى للعصفور الجائع بالضبط وهو يحلق فوق المحيط .. فيأكلها بصحتين وعافية .. ثم يغطس بعد ذلك في أحلامه الوردية ! .. التبديل كله سيكون داخليا بين الأقفاص في المناطق الآمنة ! .. يعني بعيدا عن أجهزة الرصد في الدخول والخروج ! " .. - " وتوقيت عشوة العصفور .. حسبتموها جيدا ؟ " .. - " كل المسافات حسبناها بالمسطرة .. لا تقلق .. عصفور نيويورك سيتناول عشاءه فوق المحيط كما قلت .. ثم يرقد بسلام في عمقه ! ". - " يعني الأطلسي هو البيري ! " .. - " ولا من شاف ولا من دري ! " ..
***
الفاصل الأصفر الرابع :
الأربعاء 21/12/1988م .
في أجندتي حصيلة من الأصوات المزعجة .. أحاول تجنبها .. نفير السيارات .. دقدقة الحفارات .. صفير صراصير الليل .. وصراخ الأطفال .. لكن أجمل وأروع صوت مزعج أطربني وأسعدني .. هو صوت صراخ إبني (زاك) إثر ولادته .. صراخه العالي يوم خرج مني كان غريبا ! .. تخيلت صراخه هذا بمثابة إثبات للذات .. أو بمثابة توقيع حضورفي دفتر الأحياء ! .. صراخ الوليد يطمئن ذويه وأطبائه وممرضيه .. أن رئتيه الناشئتين قد إستقبلتا بنجاح أول دفقات الهواء .. بعد إنفصاله عن المركبة الأم ! .. وأنه منذ اللحظة سيصير جسده مسؤولا عن تصنيع أكسير حياته .. بما يأخذه منا من دواء وهواء وغذاء ! .. صراخه أنساني تعبي ومجهودي .. ورد في الأمل والرجاء ! .. صراخه أسعد أباه .. فتناط الفرح من عينيه .. ومال يقبلني في حنان ! .. وبعد عدة أيام خرجت وإنتقلت إلى شقة مفروشة .. إشتراها راؤول .. حتى تكون سكنا طبيعيا لأسرتنا .. الشقة قريبة من الكلية .. بشارع جرافتون ! .. عشنا شهرين في قمة السعادة .. هذه العيشة قربتنا أكثر من بعضنا .. وجعلتنا نعتاد على وجودنا معا .. وكانت أسعد لحظاتنا .. حين يضع راؤول رأسه فوق فخذي .. وينظر إلى بشوق وكأنه ينظر إلى عيني أمه .. ويهمس راجيا سماع درويش ! .. " تحية وقبلة ، وليس عندي ما أقول بعد .. من أين أبتدي ، وأين أنتهي ؟ ودورة الزمان دون حد .. وكل ما في غربتي زوادة ، فيها رغيف يابس , ووجد .. ودفتر يحمل عني بعض ما حملت ، بصقت في صفحاته ، ما ضاق بي من حقد .. من أين أبتدي ؟ وكل ما قيل ويقال بعد غد .. لا ينتهي بضمة ، أو بلمسة من يد ! " .. - " خبريني عما قاله عن فلسطين ؟ " .. وأنا أمسد بأصابعي رأسه .. كما يحب .. وكما كانت تفعل أمه معه .. لأني عرفت أن راؤول مازال يربطه بأمه حبل سريّ متين يمده بشريان حياته وبأكسير وجوده ! .. " عيونك شوكة في القلب .. توجعني وأعبدها ! ، وأحميها من الريح وأغمدها .. وراء الليل والأوجاع أغمدها ! .. فيشعل جرحها ضوء المصابيح .. ويجعل حاضرها غدها ! ، أعز علىّ من روحي .. وأنسى ، بين حين ، في لقاء العين بالعين ، بأنا مرة كنا ، وراء الباب إثنين ! " .. يقول ساهما .. تعرفي ياسلمى .. بعد أن تحصلي على شهادتك .. سوف آخذ أمي وأذهب معكي إلى يافا .. سأستقر هناك .. وأفتح مصنعا للنسيج بها .. ونربي ولدنا زكريا بين أحضان ثلاثتنا .. في فلسطين .. وحين تموت أمي أدفنها في الثرى الذى تنتمي إليه وتهواه ! .. قضى راؤول أكثر من شهرين بجواري .. وكان قد أعد العدة لنسافر جميعنا في إجازة أعياد الميلاد ورأس السنة .. إلى الأرجنتين لنقضيها بين الأسرة .. وحتى تبارك أمه حفيدها زكرياس ! .. حجز لنا على الطائرة الأمريكية (بان آم) المتجهة إلى نيويورك .. حيث نتحول إلى طائرة أخرى برازيلية (فاريق) إلى ريو دي جانيرو ترانزيت .. ثم بوينس أيرس ! .. لكن قبل72 ساعة من السفر .. مرضت وأدخلت المستشفى بنزيف حاد .. بعد يومين خرجت إلى البيت واهنة .. فقررأن يسافر وحده لشدة حنينه إلى أمه .. ولم يغادر إلا بعد أن إطمأن علىّ بحضور منى صاحبتي لتقيم عندي .. يوم الحادي من عشرين من ديسمبر عصرا .. قبلني وقبل إبنه ووصى علىّ صديقتي منى .. ثم إنصرف بحقيبته الخفيفة إلى المطار .. كان يتصل بنا من المطار كل بضعة دقائق .. ذلك لأن الطائرة تأخرت عن موعدها عدة ساعات .. كان آخر إتصال منه في حوالي السادسة والنصف .. طلب مني سماع المقطع الأخير من قصيدة (أحن لأمي) قلت لا داعي ياحبيبي .. عدة ساعات وستكون في حضنها .. أصر .. فبدأت أردد بقلب مقبوض وصوت مرضوض .. " وأعشق عمري .. وأعشق عمري .. وأعشق عمري .. ( قلتها ثلاث مرات قاصدة وتوقفت .. لكنه رجاني أن أكمل .. فأكملت صاغرة ) لأني أخجل إذا مت من حزن أمي ومن دمع أمي ! " ... صباح اليوم التالي صحوت على رنين التلفون .. قفزت من السرير مهرولة .. ظنا أن راؤول يتصل بنا من نيويورك .. لكن المتكلمة كانت منى .. تتكلم من الصحيفة التي تعمل بها .. - " صباح الخير سلمى " .. - " صباحك نور يا منى .. خير إنشالله ؟ " .. - " راؤول أتصل عليكي من نيويورك ؟ " .. - " لم يتصل بعد ! " .. - " أوكي .. سوف أكون عندك بعد قليل " .. تركتني منى في حيرة من أمري .. راؤول إتصل ؟ سوف أكون عندك بعد قليل ! .. صوتها كان غريبا علىّ .. صوت لا يبشر بالخير .. اللهم إجعله خيرا ياربي .. حين حضرت كان وجهها يشع بريقا جميلا يبدو ممتقعا .. سألتني بهرولة وبصوت غريب متحاشية النظر في عيوني .. - " أتذكرين رقم رحلة بان أميركان التي سافر عليها ؟ " .. سقط قلبي من الرعب والخوف .. سقط في فراغ رهيب حالك .. أحسست بالخطر الداهم يحوطني فقلت بلهفة غير عادية وغير ما أعهده في نفسي .. - " لا أذكر .. لماذا .. ماذا حدث ؟ " .. - " أبدا مافي شيئ .. لا تجزعي .. فلقد سقطت طائرة أمريكية أمس فوق اسكتلندا .. ويبدو أنها طائرة أخرى .. لكن علينا أن نتأكد من ذلك ! " .. تناولت منى سماعة التلفون وإتصلت على شركة بان آم .. بعد مدة كررت إسم راؤول جوسو أكثر من مرة .. بحرف الجي(J) التي تنطق خاء بالأسبانية .. إرتجفت يدها بشدة وأنزلت السماعة بصعوبة ثم إنهارت على الكرسي مصدومة .. سألتها في جزع من صحى على صرخة أفزعته .. - " التي كان بها راؤول .. هى التي ... ؟! " .. لم ترد ولكنها أومأت رأسها ببطئ وأجهشت في البكاء .. لم أدر ماذا أفعل .. إرتبكت وإنفكت أوصالي فلم أدر ماذا أفعل ؟ .. خطفت سماعة التلفون وهاتفت شركة لتأجير السيارات .. طلبت منهم سيارة بسائقها لرحلة إلى اسكتنلندا .. ثم ذهبت إلى غرفة نومي لأغير ملابسي وأوجاع الدنيا كلها تحوطني ! .. قبل أن أغادر قلت لها بلهوجة : " ديري بالك على زكريا الله يخليكي ؟ " .. حين وصلنا إلى قرية لوكربي بأسكتلندا .. كان المرض والقلق والهواجس .. قد هشموني تماما .. كان موقع الطائرة المحطمة محاطا بكردون من الشرائط الصفراء .. وكانت سيارات الشرطة في كل مكان تلعلع بأضوائها الخاطفة .. حاولت الإقتراب فمنعني عنصرا من الشرطة بخوذته اللامعة .. وشرائطه العاكسة التي تجلل معطفه .. قال بأدب : " ممنوع الإقتراب ! " ..
- " هل نجى أحد ؟ " ..
- " لم نعثر على أحد بعد .. يبدو أن الركاب ال (27.) ماتوا كلهم في الإنفجار ! " ..
- " الإنفجار ؟! " ..
- " نعم إنفجرت ! " ..
كانت السماء قد أمطرت مطرا غزيرا قبل حضوري .. لأن الأرض كانت مبللة وموحلة .. مثل أحلامي وأوجاعي التي أمطرت داخلي وبللت ووحلت مستقري فبدأت أغوص في قاع لا أعرفه .. فترة طويلة إنقضت علىّ وأنا مصدومة ومسهومة أنظر كما التائه .. إلى حطام الطائرة وأشلاء الركاب المتناثرة .. كانت بعض مجموعات بشرية قد تجمعت تهمهم بأسئلة حائرة .. ودموع تسقط من مآقي كانت قبل ذلك جافية .. عبرت فوق رؤوسنا غيمة وحيدة قاتمة .. سقطت منها حبات كانت أعتقد أن كانت مثلي غافلة .. يا غافل لك الله ! .. حباتها أثقلتها كانت أحزان طارئة فهوت منها على رأسي .. رأسي المثقلة بهموم تنوء بها الجبال العاتية .. ألم تجد غير هذه الرأس الحزينة لتهبط فوقها ؟ .. فتزيد لوعتي لوعة وتحطم ما بقىّ من أشرعتى التي كنت أحارب بها أمواجي العاتية ! .. عدت إلى بيتي أجر أذيال خيبتي وقهري .. ضممت بخوف ولدي على صدري .. أردت أن أحضن فيه حاضري حتى لا ينساب مني ! .. أتشبث بما بقى لي من أسرة كان دفؤها يملؤني ! .. أقبض على الجزء الذي بقى من حبيب خطفته يد المنون من حضني ! .. سقطت دموع حزني الحارة على الوليد .. فإنتفض فزعا .. بكى غاضبا في وجهي ! .. جاءت منى من الخارج ومعها التلفون .. قالت بهمس الأرجنتين على الخط .. أعطتني السماعة وأخذت الولد من صدري ..
- " Ola .. ola .. ola, Salma ? " بصوت مرتعش حزين متهدل .. - " هالو إيزاك " ..
- " A,dondi stas Raul ? " ..
- " بالإنجليزية من فضلك ؟ " ..
- " أين راؤول ؟ " ..
- " لا ليس هنا ! " ..
- " أوكي .. دعيه يحضر على عجل .. أمي ماتت أمس ! .. نريده أن يلقي عليها نظرة الوداع قبل دفنها .. أخبريه بسرعة لو سمحتي ! " ..
هزني الخبر بعنف على ما أنا فيه من زلزلة .. فصار جسدي يرتجف كمريض سيطرت عليه الحمى .. وغشيني ضباب غبش رؤياى من كثرة إنهمار سوائل عيني وأنفي .. وسحب قدرتي النزيف الذي إنساب من أسفلي ! .. أستجمع بصعوبة ما تبقى من طاقتي .. أرتجف أرتعش أتشنف .. أقبض على روحي حتى لا تنزاح من جسدي .. بالكاد إستطعت للحظات خاطفة أن أتغلب على رذاذ الملح التي نثر فوق جروحي !.. وأن أنطق ملتاعة من بين فكين يتلاطمين كغريمين جمعتهما حلقة للملاكمة ! .. - " لا داعي للإنتظار .. إدفنوها في سلام .. راؤول لن يحضر يا إيزاك .. لن ي ح ض ر .. إنه يعانق أمه الآن في السماء ! " .. ثم سقطت السماعة من يدي .. وسقطت أنا في لجة سوداء عاتية من النحيب والبكاء !!! ...
( القصة لم تنته ـ لكن تصبحون على خير ـ مصـطفى سـكرـ جدة 21/3/ 2007 م )
مرسلة بواسطة arabicshortstory في 03:41 ص 0 التعليقات روابط هذه الرسالة
26 فبراير، 2008

Sabotaged his mind
قصص عراقية -حنون مجيد Guest Writer*إستئصال عقلالى د. حسين سرمك حسين. بعض وفاءآخر ما ظل عالقاً في ذهنه ،مستعصياً على الزوال ،رجل رث الهيأة ، يتنقل ، كما القرد ، بين حنايا شجرة ضخمة ، يقطع ،بمنجل حاد ، فروعها الغليظة ويرميها عصياً يتلاقفها بعض رجال . أما أولئك المصطفون أمام جدار مقابل فقد خفتت صرخاتهم وغامت صورهم حتى كادت تتحول الى شيء أشبه بالهلام . * * * في غرفته التي حل فيها أخيراً ، ما كان بمقدوره أن يرى شيئاً خارجها من خلال ثقب بحجم رأس مسمار نفذ من مكان ما في الباب ، غير كلب في حركة دائبة مربوط الى الجدار المقابل بسلسلة حديد . كان الطريق الى غرفته هذه طويلاً ، عبر ممرات ضيقة في دورات ملتوية متتالية أنهكت جسده الجريح وأسقطته ثلاث مرات . حسنٌ .. كان يقول دائماً. لقد مضت فترة اللعب على الجسد وما كانت تستنزفه عصي الشجرة الفرعاء ، وها هو منبوذ وحيد في غرفته وإن كانت ضيقة معزولة ، فان ضيفه الذي يحل عليه بعض الوقت من كل يوم عبر كوّة أعلى الجدار ، يداعب دخائله ويضفي على أيامه لوناً حيوياً ، ومعرفة بأن الأشياء مازالت قائمة ، وأن الشمس تشرق كل يوم ، وأن ما تحتها الآن هو عينه ما كان منذ الآف السنين . كل يوم مع إطلالة ضيفه يشعر بأنه حي ، فيلتصق به أينما يحل سواء على أسفل الجدار أم أعلاه ، أم على أي نقطة تسمح بها كوّته العصماء . كذلك كان أمره أولاً مع الكلب شريكه المعزول عنه في وحدته المتحركة قليلاً ، والمتطلع مثله لحريته . كلا .. كان الكلب أكثر تطلعاً مني ، ذلك أنني بدأت أعرف أن الأمر لم ينته معي ، وأنني سأساق الى لعبة أخرى هي لعبة الكف عن الذاكرة ، عندئذ حين يسود البياض تكون الحرية . كان الجدار القائم والأجساد المتراصفة عليه تنتظر بهلع دورها في الحساب ، قد تهاوى في هذه الغرفة أكثر مما تهاوى في مكان آخر من الأمكنة العديدة التي أقتيد اليها . كتم غضباً عاوده ، وتمنى قلماً وقرطاساً يدون عليه ما بدأ يغادر لونه ويدخل في البياض . فتش أرجاء الغرفة ، بل دقق النظر في الزوايا والأركان ،إمتدت أصابعه الى الجدران لعلها تلمس مسماراً دقيقاً خفي عن عينيه ، ثم عادت إلى الأسفل تبحث في نتف التراب الملقاة باهمال هنا وهناك . لا شيء مما يمكن أن يخط به حرفاً على الجدار أو يعلّم به عليه ولو كان عود ثقاب . أظفاره ؟ كلا .. لا يمكن لها أن تقوم بمهمة مثل هذه .. لو كانت أدواته بين يديه الآن إذاً لرسم الشجرة العملاقة وبين أغصانها الرجل القرد ، وعلى الجدار المقابل رجال بقلوب راجفة يتراصون بعضاً على بعض ، بل ويتهرب بعضهم عن دوره فيلوذ كالفأر خلف جاره الذي يليه .. كلا ، المحنة حين لا مندوحة منها ، فهي المحنة نفسها في أيما وقت ، وسمح للذي قبله أن يلوذ به وقدم نفسه للحساب . * * * تدريب كلب إهتزت السلسلة على صفير بشري قريب ، بدأ يتكرر منذ أيام ويقترن بموعد الاقبال بوجبات الطعام ، وكانت أذنا الكلب قد توترتا أولاً ثم التصقتا بجمجمته وطفق ذيله يخفق برشاقة ، وجسده ينخفض نحو الأرض حتى حطت قدم عليه . إن الثقب الذي لا يدري من نفذه على الباب ، كان من مستوى أدنى فلا يسمح الاّ برؤية المساحة التي يتحرك عليها الكلب ، وعدا ذلك فلا مجال لرؤية شيء آخر أكثر إرتفاعاً ، ولا سيما أعالي قامة الأنسان . مع الصفير عينه ، وعقب وجبة طعام الكلب مباشرة ، جلجلت سلسلة الباب وصوّت المفتاح في القفل وانفرج الباب على يد إمتدت بوجبة الطعام . تناول الرجل غداءه .. لقد مرّ يومه منذ الصباح دونما طعام ، وإنه ليعترف بأنه أنجز المهمة بشهية تعارضت هذه المرة مع شهيته إلى طعام تشكو منه معدة غير متحركة . لقد تجاوز إمتحان الجسد ، وها هو في امتحان النفس ، ولكن لماذا الكلب بسلسلته التي ما تنفكّ تصلصل وهريره الذي لا ينقطع ؟ من خلال الثقب الصغير أرسل سهماً حاداً من نظرة لاهفة تتقصى أمر الكلب الذي أنجز مهمته مثل كل مرة بنجاح ، لكن عظماً عظيماً بات لا يزال يتقافز بين فكيه وقدميه . لقد هشّم قمته المفصلية ولم يُبق على شيء منها ، وهاهو يبذل جهده مع البقية الباقية منه . إن من لطف الله على الانسان ، فكر ، أن لم يهبه أسناناً قوية تتدارك مثل هذه العظام ، والاّ لضاع منه الكثير من الجهد والوقت ولما حقق غير ما يحقق لنفسه الكلب . لفتته شظية من العظم ذات رأس مدبب حاد طفرت من بين أسنان الكلب ، لو نفذت اليها يده لكانت له عوناً كبيراً على ملامسة هذا الجدار الأصم بخطوط وعلامات . كلّ الكلب ، وأستسلم لقناعة ترك على وقعها العظم القاهر وألقى بجسده على الأرض ، وقد توغلت في أنحائه رغبة في النوم تداعت لها أجفان مواربة سرعان ما انغلقت ، ربما على حلم بعظم أفضل ! من جانبه أرخى الرجل نفسه لنوم ما .. نوم قصير عادة لا يدري إن كانت له علاقة بنوم الكلب ، أو بغرفة صغيرة موحشة ، أو بتوقعات محزنة تثيرها بين حين وآخرإجراءات مريبة ، من بينها مداهمة الغرفة والتطلع اليه ومراقبة ما يجريه . هبط الضوء وحاذى أسفل الجدار .. زحف نحوه حتى وضع رأسه تحته .. تطلع من خلاله الى حزمة الكريات الهبابية التي تلعب في مداره .. سره منظرها الحر ولعبها السادر ولهوها المتواتر. نفخ فيها فاضطرب هبابها ثم سرعان ما أستعاد كيانه ، نفخ ثانية وثالثة ، وكان كل مرة يثير فيها اضطراباً ما ينفك ينتظم من جديد حتى غلبه ضحك ما فزّ عليه في حلم قطعه صليل سلسلة الحديد ..كان حلماً قصيراً مجهولاً ، لكن ضحكه وقد استعصى التكتم عليه ،استمر فاعلاً خارج غفوته لحظة أو لحظات . هل يمكن لسعادة أن تهبط على النفس المحزونة كما يهبط الضوء من هذه الكوّة النائية ؟ وأي سعادة هذه التي تولدها ضحكة مبهمة ؟ إذ تداعت أسئلته من دون جواب ، نهض الى الفتحة وأنفذ بصره الى الكلب فألفاه مقعياً موجهاً نظره ، عبر الممر الضيق الملتوي ، نحو شيء ما . ماالذي يحرك غريزة الكلب هذه اللحظة ؟ لا شيء غير الطعام ، ولربما هوالغريزة الأقوى عنده دون غيره من الحيوانات ، وأنه لا يفكر بغرائزه الأخرى الاّ إذا وجد موضوعه الآخر بين يديه ، فكّر . توترت أذنا الكلب وثقبت نظرته ، ودبت حركة هادئة في ذيله جعلت تأخذ به في ميلان على الأرض ذات اليمين وذات اليسار . لا بد أن احداً في نقطة بعيدة يداعبه ويغريه بشيء ما ،وأنه ليقترب منه الآن لينهض على قوائمه ويرتجف جسده لهفة اليه . ليس من شك في أن طعام غدائه لم يشبعه ، وأن الوليمة القادمة مغرية حقاً والاّ لما بدأ لعابه يسيل وتتساقط قطرات منه . في دائرة حريته ، وهي دائرة محددة بطول سلسلته ، كانت هنالك ظلال صار بميسور الرجل رؤيتها ، تنفرد فيها يد طويلة تلّوح للكلب بما هو بعيد عن متناوله . تراجع الكلب ، ثم وثب بعيداً فمنعته السلسلة وكاد يقع على الأرض . ابتلع الرجل اللعاب الذي تجمع في فمه ودقق النظر .. تحركت اليد من جديد ، وكانت إستجابة الكلب واهنة بعض الشيء ، لما المّ بجسده من ألم ، بيد أن ذيله لبث ملازماً أهتزازه الودود . حتى اللحظة لم ينقطع سيل اللعاب ، ثم أذا تلاشت الظلال أو اوشكت ، وكاد الكلب يقعي على عقبه ، انطلق الصفير كما أنطلق قبل ساعات وقُذفت قطعة لحم . لم تشا اليد التي فعلت ذلك ان تُسقط قطعة اللحم في المنطقة التي يرغب الكلب ، ولكنها لم تبتعد بها كثيراً عنه ، وإن كانت بنسبة ما أقرب الى الباب . اما وقد نازع سلسلته واستعان بمرونة جسدهِ ، فقد اصبحت اخيراً بين فكيه . وخيل للرجل بان أصدق الاكل ولربما امتعه هو اكل الحيوان ، اذ مع اقدام الكلب على معالجة طعامه ، وانصرافه التام عن ايما شيء خارجه ،كان ثمة انين يصدر منه لعله غناء . فترت حركة الكلب بعد ان اتى على طعامه وارسل نظرا مستقراً نحو خطوات رحلت تواً ،كان صوتها يتلاشى مع صفير خافت ذي امتدادات نافذة مسترسلة ،وجد فيها صاحبها متعة لم يعرف ان كان شاركه فيها الكلب نفسه والرجل خلف بابه الموصود . طغى على المكان صمت حاد .. غابت الخطوات واختفى وقعها تماما مثلما اختفى الصفير ،ولم يعد لأحد من عمل غير ان يخلد للسكون . من جانب آخر غاب عن الحائط مستطيل الضوء .. خرج من كوته وارتحل ارتحالته اليومية ، وكذلك غاب الضوء الآخر عن الممر واصبح لون الكلب اسود مائلا الى زرقة لامعة ، تتخللها في مواقع معينة عتمة أخف . أسند ظهره الى الجدار .. بدأ الظلام يعم ويشتد ، ومع ذلك فليس الوقت الآن ملائما للنوم .. السابعة .. الثامنة ، لا يدري . لقد سقطت ساعته تحت الاقدام حينما كانت العصي تنهال على اليد والمعصم والقدم . لم يكن مضى على رحيل الضوء أكثر من ساعة حتى وجد نفسه وحيداً مثل كل ليلة مضت أو ليل ولى.. كانت وحدته في وقت ما ممتعة ،ذلك أنها لم تكن تخلو من النظر للامام . الآن ثمة جدران اربعة يدخل في تصميمها باب حديد مغلق ، يقف في مكانه ثابتاً مثل جندي حراسة اصم ، وكوة عالية صماء هي الاخرى وتعبث بمشاعره في حياد بارد ، وكلب لا يفصله عنه سوى جدار ، أذا جاع يسيل لعابه على صفير ولو كان كاذباً وياكل الحديد . من دون وعي منه نهض تلقائياً ..ان ما يثير ريبته حين يفكر ملياً ، ان الكلب لا ياكل غير اللحم ، او ان القائمين عليه شاءوا هذا . جعل يذرع الغرفة جيئة وذهابا .. كرر التطلع الى الكلب : العتمة تحيط به وهي اشد على مواقع من جسده المسجى على الارض ، وسوى بؤرتين شعتا حينما اقترب من الباب ، فلم يعد يرى شيئا محدداً منه . لحظة صدرت حركة خارج غرفته ، وكانت عنيفة نوعاً ما ، سرت في قلبه رهبة تراجع اثرها ومضى يراوح الذهاب والاياب متحسسا طريقه على هدي ذاكرته وما بقي يهمي عليه من اطياف ضوء باهت دأبت الكوة تحتفظ به اليه حتى بٌعيد مغيب الشمس . اذ تحسس حركة الكلب حالما انفذ بصره اليه ، قرر الا يفعل شيئا من هذا القبيل مرة اخرى الليلة ذي وعاد الى جداره يسند ظهره اليه ويمد ساقيه: سيمارس الشيء الوحيد القادر عليه ، الذي يخترق الليل والصمت والجدران .. سيقول لها ، كوني كما عهدتك. . تذرعي بقوة الامل المغروس فيك .. لا تنسي شوارعنا ونزهاتنا . وكل ما تعاهدنا عليه لا يزال قائما وقد نحققه ذات يوم . قطع حلمه صوت حركة قدمين مع صفير خافت آثر صاحبه ان يكون في حدود اذني الكلب ، لكن صمت الليل آثر هو الآخر ان يحط به تحت اذني الرجل كذلك . في مساحة محدودة من شعاع مصباح يدوي بان الجسد ناهضاً متأهباً لما سوف يلقى به اليه . القيت قطعة لحم كبيرة كست عظاماً مهشمة راح الكلب يلتهمها على الضوء مصحوباً بصفير محزن جميل كان ذيل الكلب ما يزال يهتز عليه . تمنى لو كان يمتلك مثل هذه القدرة على الصفير ، اذاً لصفر الحاناً فائقة الجمال حفظها عن ظهر قلب منذ سنوات طوال ، ولدفع بها هذا الوقت الممل والفراغ الممسوخ . أتى الكلب على طعامه المضاف وتحول الشعاع عن المساحة التي تسلط عليها بعض الوقت ، ولحظة اثر اخرى ، كشأنها دائماً ، تلاشت الخطوات وخفت معها صوت الصفير . نام الكلب وما عاد يتحسس موقع الرجل ان كان قريباً او بعيدا من فتحة الباب ، وعاد الرجل الى مكانه من الجدار نفسه يسحب الى داخله آخر خيوط لعابه . اما وقد بدا الجوع يعضه بناب حاد ، اسلم نفسه للنوم بعد اذ عاود خياله كالطائر الجريح حلمُ ان يثبّت على الجدار عمودا على قمته مثلث متساوي الاضلاع ، في داخله يبرز كعلامة استفهام خط معقوف ، وفي الفضاء ومن اسفل قاعدة المثلث تهبط خطوط متلاحقة تستلقي على اخرى لها شبه بزوايا مترادفة ، وتحتها على الارض هناك خطوط دقيقة متعرجة لها مساريَ الانهار . * * * هذه الليلة لم ينم .. لم يكن مضطربا مثل كل ليلة ،انما لم يراوده نوم مطلقاً .. كان يسمع فحيحاً يأتيه من خلف الجدار الذي يسند راسه الى نقطة قريبة منه . لا بد ان فراغا ثمة يمكن للريح ان تلعب فيه وتصدر مثل هذا الصوت .. لعل غابة هناك او خلاء واسعاً اقتحمت ارجاءه نباتات برية هشة تتصادى بعزف قوي مع كل ريح . إذاً هو الخريف، وهذه الريح اولى علاماته التي يسمع بعد ان حجز نظره بين اربعة جدران . الخريف عينه ، قال ، لكنه هناك في بيت له نوافذ واضواء وابواب ، زوج واطفال واهل .. لا يا سيدتي .. انه لشيء مختلف ، وانا الان افتقد صوتك ودفء انفاسك وعذوبة حديثك .. افتقد الخريف ذاك ، لغط الشوارع وصخب الاسواق وجماعات الاصدقاء في المقاهي والحانات . الليلة ذي راودته صورتها اكثر من اي ليلة مضت ، وكانت في كل مرة ، شأنها في حقيقتها ، إمرأة تثير الخيال ، فمن اي منفذ انفذ نحوك ومن ينتشلني اليك ؟ * * * من خلال كوته وضوئها المحاذي لاعلى الجدار انتبه الى ان الخطى الثقيلة التي تزوره كل صباح قادمة اليه ،أما الكلب الذي أخمد الطعام المتراكم انفاسه فلم يعاود يقظته المبكرة كل يوم . على خلاف الكلب، الذي لبث رابضا في موقعه ، كان هو . فلقد تغافلت معدته عن زهده وتمردت عليه واعلنت عن شهية غريبة للطعام . ايتها الغبية انت الآن في اسوء حالاتك وتترغبين ما يؤكل ؟! في جلبة ارتعد لها قلبه وأنتفض عليها فجأة جسد الكلب تقدمت العقب الحديدية ذاتها ، وعولجت سلسلة الحديد وأنفرج الباب عن الجسد العملاق مشيراً بيد خرساء الى الخارج ، موعد الذهاب الى الحمام . في طريقه المتوجس مر بالقرب من الكلب .. لفتته النظرة العدائية التي دهمت نظراته الودود اليه ، والزئير المشروخ الذي صاحب ذلك حتى اختفى عنه . لم يمكث طويلاً هناك ، لكنه أستمتع بالماء . كان بارداً عذباً لامس جسده بنعومة ماء نهر .. لماء دجلة موسيقى ، وثمة أضواءوعليه زوارق تروح وتجيء ،ولأمواجه ترف أمواج البحر . في الليلة الماضية ولم يكن النوم مس أجفانه بعد ، عاد الى تحسس الجدران الأربعة للمرة المئة واحداً بعد آخر لينتقي أيها يصلح لتدوين ذاكرته عليه . كان يؤمن أنه سيجد الشيء المناسب لفعل ذلك ،وبالرغم من أن المكان الذي يقبع فيه الكلب ويترك فضلاته وبقايا طعامه عليه ، يكنس كل يوم فأن يقيناً ظلّ عالقاً في ذهنه بأنه سيجد بغيته أو سيبتكرها طال الوقت أم قصر . أثناء عودته أشتد صوت الزئير و لو كان لديه بقية من طعام لألقاها الى هذا الكائن المزروع في غير مكانه وقمع زئيره المخيف . تجاوز ذلك كله ، فمنذ اليوم الأول لوجوده في هذا المكان الذي لا يعرف أحد أين موقعه ، وهذا الكلب يجثم قبالته من غير أن يتآلف معه أو يبادله الود .. الفواصل كثيرة ، فكر ، الباب المغلق طيلة اليوم ، والطعام المحدود الذي لا سبيل الى إطعامه شيئاً منه ، والحركة المراقبة والوقت المحسوب بين الذهاب الى الحمام والاياب منه ، ثم الطبيعة الصعبة التي عليها هذا الكلب الذي يجهل مقدار صلته بالذئب،غير شراسته البادية وجلده الأسود المبقع ببقع صفر . قطع عليه استرساله إحاطة السلسلة بالباب ووقع الخطى الراحلة ثم ما تلا ذلك من صفير بعد برهة ليست بالقصيرة ، هب عليها جسد الكلب في انتباهة من لم يذق طعاماً من قبل . مضى الصفير يتصاعد لحظة بعد لحظة ،ثم عاد يخفت ليتلاشى في الوقت الذي كانت السلسلة فيه تجلجل واللعاب يسيل . زمجر الكلب على نظرة الرجل واقترابه من الباب بل إنه ما لبث أن استدار نحوه في استدارة سريعة وانطلق ينبحه . لم يتراجع الرجل فهو الآخر بحاجة الى طعام وثمة أحساس بخيوط من لعاب بدأت تملأ فمه لا سبيل الى مقاومتها . مرة اخرى ارتفع الصفير وارتفعت عليه اذنا الكلب ثم ما لبثتا ان انحدرتا الى الخلف مستويتين مع جمجمته . اعطى الرجل جسده للحائط مستمتعاً باللحن الشيطاني الممسوس ، الذي شك في ان يصدر من بين شفتين وليس من شبّابة رقيقة من خيزران . مع تصاعد اللحن الذي لا غرو ان صاحبه يطرب له ، مثلما تطرب له كل اذن ويحرص على ان يكون منساباً متصلاً كما لو انه نداء قلب موجوع ، تصاعدت وتيرة خطوات وئيدة ومتراخية . نهض الكلب بعد ان كان اقعى وانشدت السلسلة على انطلاقة جسده الواثب للامام ، وكرة اخرى بدأت خيوط اللعاب تسيل والذيل يهتز والاذنان تتذبذبان في انتصاب وارتخاء ، قبل ان تقترب ظلال الجسد القادم وتتقدم يدان تلقيان بقطع من اللحم تداخلت مع عظام مهشمة . بدا اللحم طازجا ومختاراً اختيارا جيدا ما سهل على الكلب التهامه مع دمدمة غناء . على صورة طعام متخيل ابتلع الرجل لعابه متفقاً مع نفسه على ان الجوع أمر كريه ، ومقاومة الرغبة في الطعام شيء صعب . هبطت ظلال الى مستوى أدنى غطت جسد الكلب وامتدت يد تلامسه مربتة عليه . استجاب الكلب لليد الرقيقة التي اطعمته ثم جعلت تمسد رقبته وظهره وحتى صدره ، ومع ذلك مكث على هياته منتصبا مثل ذئب كاسر . مع عودة الحارس ، وحتى تلاشي اصوات قدميه ، لم يصدر صفير هذه المرة .. حالات ، قال وانكفأ هو الآخر ،ولكن بانتظار افطاره الذي لا يتاخر كثيرا عن افطار الكلب. وخيل اليه ان افطاره ،كما هو الحال مع افطاره يوم امس سيلغى ،وان عليه ان ينتظر الغداء بعد ساعات قد تقصر اوتطول . تمطى الكلب ،قدم قائمتين وأخر أخريتين ، وشد جسده للامام ثم عاد الى وضعه المعتدل وطفق ينقل بصره في الارجاء المحدودة التي سد افقها الانعطاف الحاد للممر . اذ جلجلت السلسلة نهض الرجل الى فتحة الباب ليرسل بصره من هناك ، وليفطن الى ان الكلب قد تعافى كثيرا .. ضاعت العظام التي كانت بادية على هيكله ، ثم تنامى اللحم في الفراغات، وغابت غبرة الجسد ، واصبح اخيراً املس الشعر ، وكان ما يزال راكزا على قوائمه الاربع مادا خطمه للامام، ومراوغاً بنظر مضطرب منعطفات الافق المسدود . لا افق في هذا المكان ، قال الكلب ، او هكذا تراءى للرجل حين وجده يتراجع على عقبيه ويستوي مقعيا على الارض . ارتفع مستوى النقطة التي توقف فيها الضوء .. لقد بدأ الانسحاب ، وها هو جسده يعلن انسحابه نحو وهن ما . أرهف السمع .. ليس غير وشوشة دأبت تغازل اذنيه .. هبط الارض مفترشاً اديمها الخشن مستشعراً حمى غريبة تجتاح جسده .. منذ زمن بعيد لم يعرف الحمى ، فلجسده صلادة الحديد ، لكن ما راح يغزوه الان قلب موازين قناعته واسلمه الى يقين مدو ،ان للجدران والباب المغلق قدراً أعتى من كل الاقدار . كان يريد ان يقول لها ذلك ، ان يشتكي لها الجدران واِحكام الباب وأحكام الطعام والخروج الى الحمام ووحدة النهار ووحشة الليل ، ويريد اكثر من كل هذا ،ان يقول لها احبك . كلا .. لن يعترف لها بضعفه ووهن ساقيه ووشوشة اذنيه .. بل ولا يريد لها اِلا ان تظل على يقينها او وهمها بانه قوي الان . هي ذي اطياف القيلولة تراود عينيه كما السراب .. وها هي ذي الجدران الاربعة البيض تقترب منه .. هل يمكن لهذه الجدران القديمة ان تكون لامعة وعلى هذه الدرجة من البياض ، وهل هذه اللوحة التي افترشت مساحة عينيه مرسومة على الجدار ؟ كيف يقيض لذئب ان يفترس حصاناً ومن دون ان تنز من جسده قطرة دم ؟ المسكين قالها في حلمه وانبرى يصيخ السمع لعزف على ناي مصنوع من قصب فارسي او ربما من خيزران يسيل له اللعاب . يا لروحي ، كرر،في حلمه واسترسل هائما مع اللحن الجميل . تلاشت صورة الذئب في الوقت الذي تالقت فيه صورة لحصان سليم قائم على ارض مريعة زاهية ، تضرب عليه شمس دافقة تحيل لونه الادهم الى ذهبي صقيل. دمدمت بين اذنيه الحالمتين ريح اهتز لها الباب ، باب غرفته قبل ان ينفتح على اليد التي تمتد اليه بطعام العشاء . لقد استغرقه النوم اذاً حتى المساء ، واصطخبت في عينيه احلام شتى . لا بد ان الكلب تناول عشاءه منذ وقت . زالت الحمى ، او هكذا احس ،فنومه الثقيل منح جسده راحة عميقة لم يبلغها منذ ايام ، ومع ذلك فلم يجد في نفسه رغبة في الطعام ، ولو قدر له ان يلقي به لالقى به الى الكلب . مع تقادم الساعات واشتداد وحدته اجبر نفسه على تناول جزء يسير من طعامه . كان الطعام قليلا ، وهو هكذا في اغلب الاحيان ، بل هو الان اقل من ذي قبل . الان يستطيع ان يظل يقظاً حتى الصباح ، ولكن لو كان مع شمعة في الاقل . الظلام يمسح الالوان ، قال ، ويعمي البصيرة والبصر . ولا شيء سوى الذاكرة المتعبة المحاصرة ، ومع ذلك كانت الصور تترى كالخيول المطاردة التي ما تلبث ان تصطدم اما بجدار او بصفير او بزئير كلب . وغير كوته وما تجود به اليه من ضوء انيس فليس ثمة من فاصل بين الليل والنهار . تذكر القطارات والمسافات التي كانت تتهاوى امام عجلاتها القصار ، السيارات بدروبها الملتوية وما يحف بها من مناظر جميلة خلابة ،والطائرات فوق المدن وفوق وتحت السحاب ، والشوارع والطرق والانهار التي تبدو من هناك كالخيوط ،المدن التي زارها والفنادق التي نام فيها ، المقاهي بجلاسها ،زوجه واطفاله واصدقاءه ومعارفه ومحبيه ، طرق الموت التي تعرض لها ونجا منها . اشياء كثيرة كانت تتداعى كل مرة وتذبل كل مرة ،تحيا وتموت وتحيا وتموت دونما انقطاع ، فيعود القهقرى الى جدرانه يبحث عن شيء حاد يدون عليها او على واحد منها في اقل تقدير ، ذلك الشيء الذي كان رهانه ورهانهم عليه . قدم الصفير .. ليس من شك في ان الساعة متاخرة الان .. الصفير عينه الذي يخلب اللب والذي هو اثقل وطأة منه في النهار . ويعجب اذ يثيره هذا الصفير بهذا القدر، ففي الوقت الذي يستدعي فيه لعابه فيسيل عليه يفزز في دواخله الحانا نائمة تستيقظ عليها اجمل ذكرياته ، ويعجب اكثر اذ يكون الامر كذلك وما يزال جسده يئن على اكثر من جرح . هل كان يحلم ؟ ومتى كان الانسان الا حالما ؟ثمً ماالذي قاده الى هذا الوضع غير حلم اكبر حجما منه ؟ على ضوء المصباح اليدوي المتقادم ببطء كان الكلب ينهض ، يرتعش كل جسده في رقص محموم ، يسيل لعابه وتظهر عليه بوادر سعادة متعاظمة كاد عليها يحطم قيود سلسلته .. وثب للاعلى وانعطف على نفسه ، ولما دنا الضوء كثيرا وعظمت اشجان الصفير استكان على الارض والتمعت نظرته ، ثم هب بغتة منتصباً بأنتظار طعام غير موعود . القي الطعام في مدار متناوله ، وكان قطعة كبيرة من اللحم موصولة بعظم مسحوق كذلك ، كما قدم قريبا من ذلك اناء فيه ماء . اضطرب الكلب في أيها يتناول اولاً ، غير انه ، بعد ان لعق قليلا من الماء ،فضل الانصراف الى الطعام . بعد ان التفت الى الماء وارتوى منه انحسرت فسحة الضوء وارتفعت طبقة اشجان الصفير الذي ما برح ينداح سلساً عذباً كأنه يحاكي تعافي الكلب بطعامه الوفير واللذيذ . عاد الرجل الى جداره .. وكعادته ، التي اضطر عليها ، اسند ظهره اليه ومد ساقيه للامام . لقد انقطع كل شيء يمت بصلة للحياة . فالكلب عاد فنام ، وانقطع الصفير، ولم تعد الريح تهب فتصفر في الاشجار . ولا احد يا سيدتي يبدد وحدتي سواك . في وحدته المفردة تماما ، ولما يمض من الليل اوله والوهن الجسدي يعود ثانية اليه ، تساءل ان كان للذكريات القدرة التى تنجي الانسان من العذاب . ثم حين فكر في الشيء الذي يمكن ان يشتري حريته فيه ، هتف عاليا ، كلا . في لحظة واحدة الغى كل ما فكر فيه ، واستعاد التفكير في الوسيلة التي ينبغي فيها او من خلالها تدوين ذاكرته ، حتى نام . في حلمه ، وكان هذا من الاحلام القليلة التي تظل تراود يقظته فتشغله فترة قبل ان ينساها ، راى عينا صغيرة قبالته تنز كالنجمة القصية الساطعة في دمس الظلام ، لها في عينيه شعاع ثابت خاص وكأنها توميء اليه .. وطوال يومه كان يبحث عنها حتى وجدها وكانت سعادته فيها . * * * قبل موعد صفير الافطار ،تقبل الخطوات الثقيلة المرتقبة والايعاز بالذهاب الى الحمام . هنا قد لا ينهض الكلب ، اذ تعلقت اذناه بسماع الصفير .. وبالرغم من جلبة سلسلة الباب فقد مر الامر بسلام واخذ الرجل طريقه المعتاد. حينما عاد ومر من امامه وجده قد استيقظ مكشراً له ومعاوداً نخيره العدائي . لم يزجره الحارس ولم يخف هو منه كثيراً فحدود سلسلته تمنعه عنه ، ومع ذلك فقد اسرع في عبوره تحاشياً لما قد يستحكم في نفسه من عداء له ، ولئلا ترسخ صورته في عينيه . مع اغلاق الباب واستحكام جدران غرفته عليه ،شعر بنوع من الامان ،لكنه تساءل عن عدد الاخطار التي عليه ان يتفاداها في حياته ليشعر بالامان . انا لاعب سيرك ، قال مستدعياً وصية مدرب للاعبه ، لاعب السيرك <في عالم مملوء بالاخطاء عليك وحدك ان لا تخطيء> ووجدها وصية ثقيلة وان كانت مجيدة . صدر الصفير .. يا الهي كيف تتواءم المتناقضات ؟ اعاد عبارته التي سبق ان اطلقها وانطوى على اللحن الجميل يستشف منه نهراً سبح فيه وحقلاً تمرغ على خضرته وحبا قطعه على نفسه وها هو امين عليه .. وانت يا سيدتي اجمل من رايت . كان صفيرا متمهلا نزف عليه من اللعاب اكثر مما نزف الكلب ، وقد كان جائعاً جداً وشرب الكثير من الماء في الحمام وتلك هي فرصته ، ومضى على ذلك ساعة او يزيد . حسن . اننا لكي لا نخطيء علينا ان نكون اقوياء . تدانت طبقة الصفير الذي يوهم بان صاحبه مفتون به وماخوذ عن حاجة صاحبيه ، وكان ذلك عسيرا على الاثنين ، الرجل والكلب معا . مع اقتراب ملموس وصار القادم في طوق رؤيته قفز الكلب للاعلى منازعاً ، كالعادة، طوق رقبته ومندفعاً في الوقت عينه نحو اخر الحدود التي تيسرها له حلقات سلسلته . فجاة كف الصفير وجمد الكلب واغلق فمه على اخر ما سال منه . طغى الصمت على الجميع .. لابد ان القادم ، ولامر ما ،عاد عن قراره واختفى .. لبث الكلب على جموده محدقاً في الحدود التي لا يبدو ان هناك مجالاً لرؤية شيء بعدها . من مركزه كان الرجل يتبين حجم الحزن الذي اخذ يلوح على عيني الكلب ، فبينما لبثت العينان شابحتان على نقطة واحدة كان ثمة سهوم ينتاب نظرتهما يشف عن استسلام تام .. هل عٌدم الكلب التفكير الى ابعد من انفه ؟ تساءل وتراجع هو الاخر عن موقعه وبصق نصف لعابه . أحزنه أن تكون اللعبة مستمرة الى هذا الحد .. نعم . ففي هذا المكان هنالك الكثير من الألعاب التي ليس اخرها هذا الوضع الذي يكمن صانعه في موقع ما . رهن جسده الى وضع جديد واغلق عينيه .. لقد جفت الذاكرة يا سيدتي ، واخشى ان تنغلق على الصورة التي لا اريد .. لا . ليس الماضي وحده الذي ينبغي ان احافظ عليه . بل هذا الجديد المزدحم بالظلام والالاعيب .. كلا .. ليس النهر ما اريد وليس الشارع الجديد والمدينة النظيفة ، بل وليس الحب ،ولا اخر العهود ، انما هذا الذي يحيط بي ويستغفل ذاكرتي . نعم ، ساضيف الى الشجرة والرجل القرد هذا الكلب الاسود المبقع بلطخات غبراء ، وذلك الحارس الثقيل الخطوات الذي يفتح الباب للحمام مرة واحدة ، واللعاب الذي يسيل على صفير اعلانا عن طعام يجيء ولا يجيء . لا يا سيدتي انا هنا .. وحلم بائس ان يفكر الانسان في ماض لا يستطيع ان يحطم باباً على سجين بريء . يبدو ان الكلب الذي قطع امله في فطور قادم ، افلح قبل الرجل في سماع الصفير المنطلق من بعيد ، او انه راى الشخص القادم اليه حينما طار من على الارض . لم ينهض الرجل هذه المرة ، فالامر منذ لحظته متروك لغيره ، ومع ذلك فعندما أيقن ان الصفير انتهى عند منطقة الكلب ، وطعامه قدم له لم يستطع كبح جماح لعابه وانتظر بادرة فتح الباب . حال انتهى الكلب من طعامه وكان تناوله بسرعة قياسية بالرغم من كميته الفائقة ، أنقطعت وتيرة الصفير وعاد كل شيء الى وضعه السابق؛ الكلب مرتمياً على الأرض منفوخ الجانبين والرجل محيراً مجتراً أسئلة بلا جواب ، وكان النهار قد تقادم بحيث صار في حسبانه أن نظام غذائه قد تخلخل بفعل مقصود وسيظل كذلك . بالرغم من تداخل أحزانه ووعيه لما هو فيه فقد أحس ّ ضيقاً شديداً كما لو أنه لم يمر بموقف أشد من هذا الذي يحدق به الآن . أنسيت ؟ قال وهبّت نفسه ويده الى آخر زر ظل ثابتاً في قميصه بعد ان تساقطت تحت الشجرة بقية الازرار ، وكان هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن له ان يسطرّ بواسطتها على الجدار لوحته الخالدة في وضح النهار . * * * أكتشاف رموز دوهمت الغرفة كما هي العادة كل فترة حين يفتح الباب دون سابق أنذار .. هذه المرة كانت النظرات أشد كثافة وتفحصاً ، لذلك لم يكن صعباً على أحد أكتشاف خارطة أو رموز لشجرة ورجل معلق فوقها يبتر أغصانها الغليظة فتتلاقفها أيدي رجال يهبطون بها على ظهور رجال آخرين تسيل دماؤهم على الأرض متعرجة تعرج الأنهار . هكذا فككوا الرموز التي جاءت على هيأة مثلث قائم على عمود نابت في الأرض ، تتساقط من أسفله خطوط حتى آخر تفاصيل اللوحة التي جادت بها أصابعه بواسطة زر قميص "الذاكرة حية ما تزال " قال أحد الرجال الثلاثة لرفيقيه ، ثم أشار لهما بمغادرة الغرفة تاركين بابها الموارب لسلسلة حارسها العتيد . * * * تسمين رجل فُتح الباب لمراودة الحمام .. كان الوقت مبكراً هذه المرة .. أثناء ذهابه الى هناك وعودته منه لم يستيقظ الكلب أو لم يشأ ذلك . وقف تحت الضوء المتسلل اليه عبر كوّته يدقق النظر في ألغازه التي لايدري إن كان الرجال الثلاثة فقهوا منها شيئاً .. غمره شعور من صنع لوحته الأخيرة الفذة واستنام لنشاط ذاكرته التي أكملت اللوحة على أفضل وجه . من فتحة الباب رأى كسل الكلب وبلادة نظرته وازوراره حتى عن جهة الصفير . لقد أصبح خنزيراً قال ، وعاد الى حيث موقعه ينتظر ولا ينتظر قدوم الطعام اليه . لقد تأخر الطعام عن موعده ، فأذا كان اليوم كالأمس فلربما هو الطريق المعبد للموت . وحسن أن يكون كذلك ، ولا سيما إذا بدأ خَدَرَاً في الأطراف . تهادى الصفير .. صفيرٌ لعوبٌ هذه المرة لا يثير في النفس ما كان يثيره فيها في بادئ الايام . على أنه إن كان كذلك فلقد جاء مرافقاً لطعام وفير قدم اليه .. هل يعقل هذا ، وأين طعام الكلب ؟ بدءاً لم يتحرك الكلب كثيراً ولم يستجب للصفير الجديد ، الاّ أن الرجل حينما بدأ بطعامه فكر فيه . غبّ الأنتهاء من وجبته لم ينكر أنه أحس راحة عميقة ، باستثناء ما راح يخالط نفسه من أسى عكرّ عليه مزاجه منذ أن أفرد بالطعام دون الكلب . في حين لم ينقطع الصفير الراقص حتى تلاشى في المنعطفات ، ظلّ الرجل مترقباً ذلك الصفير الهادئ المثير ، الذي كان يأتيهما عليه الطعام ، لتقدِم عليه الآن وجبة الكلب . أسرع الرجل مدققاً النظر الى الكلب فألفاه وقد تأخر موعد طعامه ، قد تقدم عن مكانه ، منتصباً على قوائمه نافضاً عن جسده أطياف خموله . وتراءى له أن ماكان عليه الكلب قبل ساعتين غير هو ما عليه اللحظة ، وأن حجمه الضخم ومقدار ما أكل لن ينسياه حقه في وجبة الصباح . كان يتطلع للأمام ثم ما لبث بعد أن مر وقت طويل أن انكفأ على ذاته وطوى جسده على الأرض . استنكر الرجل رأيه في الحدود التي يصل اليها تفكير الكلب ، وعدّ ذلك غفلة منه ؛ فهذا الأنكفاء لدليل على انطفاء أمل كان قائماً حتى هذه اللحظات ، ولربما سيظل كذلك وإن تحت الذبول الذي يســـود نظرته الآن . اقترب من حائط الضوء .. إقترب منه أكثر حتى وضع رأسه تحت خيوطه وهبابه الراعش .. مع عمود الضوء أرسل نظرته للأعلى فاصطدمت بزجاج النافذة التي وجدها أول مرة صغيرة لا تكفي لأستيعاب جسد طفل . منح جسده راحة قسرية كان لحظتها يتمنى ولو ذبابة تدخل عليه .. كان يريد أن يرى شيئاً حياً غير هؤلاء الذين يراهم كل يوم أوالذين يزورونه بين آن وآن وغير الكلب . ماذا لو اخترقت الكوّة حمامة هائمة أو عصفور ضال .. ماذا لو ..! وقمع أمنيته ، فوحده يكفي .. لن يتمنى لأحد أن يشاركه وضعه لمجرد أن يهوّن عليه وحدته .. كلا .. ثمة دم يجري في عروقه يتيح له أن يفكر وأن يتذكر .. لقد ذهب الوهن الذي سرى مؤخراً في جسده وبدأ بأطرافه .. هاهي الحياة تدب اليه ولو بين أربعة جدران .. يا ألهي ، قال وأسلم رأسه لحلم آخر . * * * حين عاد الصفير بعد ساعات .. الصفيرالمحموم نفسه ، امهل نفسه لحظات يتابع بعض احلامه التي تشابكت الى الحد الذي كانت فيه اشبه بسحاب مختلط تدفعه ريح . لم يشك في ان الصفير بعيد عنه حتى اللحظه وانه لن يثير استجابة الكلب رغم جوعه الظاهر ، كما كان يستثيرها الصفير القديم . يعرف ان عليه ان يتمهل بعض التمهل لاستقبال طعامه اذا جرى الامر كما هو عليه في الصباح ، فمشيئه الاخر ، وهي عصية على الادراك ، فرضت عليه صبرا طويلا ، وبرغم ذلك فقد بدا لعابه يسيل وعدّّ ذلك شيء قاهراً . حتى دقائق تربو على العشر لم يتقدم الطعام ، في الوقت الذي كان فيه ما يزال منطلقاً من مواقع عدة بحسب ما يوحي به تباين مستوى درجات الصوت . واذا كان من شانه ان يفكر ما يفكر في طبيعة الصفير ، فأنه كان في الحقيقة ينمّ عن فرح ومرح طليقين ، ولماذا لا فمع الحرية كل شيء جميل . من وحدته المطلقة ،وحدته الموحشة حد البكاء وحد الموت ، كاد يهتف بذلك " مع الحرية كل شيء جميل " لكن صخباً صدر من ناحية الكلب قطع عليه ذلك وكانت نظرته تسرع لتراه قد ضاق بعذابه وهاهو يكرر جاهداً انتزاع رأسه من طوق سلسلته . أقترب الصفير .. إنه يقترب بوتيرة متسارعة كما لو على لهفة حارة ، وكانت نظرة الكلب تشي بأنها ترى صاحب الصفير وتشك في الوقت عينه في أنه يتقدم بطعام . عندما صار الطعام في مساحة رؤيتة النافذة تململ جسده قليلاً وسرت حركة هينة في ذيله ، بيد أن لعابه لم يسل ولم يرخِ للأسفل أذنيه . انعطف الحارس صوب الغرفة وجعل يعالج سلسلتها ، مقدماً من ثمة للرجل وجبة غدائه . أمال الكلب رأسه ناحية الرجل وهو يتسلم طعامه فالتقت نظرتان لم تلتقيا على صورة كهذه من قبل . أُغلق الباب والتفت السلسلة حتى انتهى طرفاها على قفلها الضخم وعاد الصفير مواظباً على ايقاعه السريع متوارياً عن الآذان لحظة بعد لحظة حتى غاب . برك الكلب على عقبه تفصح نظراته المتداورة عن قلة حيلة ونفاد صبر . فيما كان الرجل يتناول طعامه تحت أمر صارم صدر اليه مؤخراً أن " كل طعامك كامــلاً ولا تبق شيئاً منه" لم يقطع التفكير بالكلب ، بل لو أنهما أكلا متقابلين على وجبة واحدة ، تمنى . ففي الوقت الذي يعرف فيه طبيعة هذا الكلب ، فقد كانت صورته تتماهى مع صورة كلبه القديم . إرتمى الكلب على الأرض وغفى على جنبه .. هل ينام الكلب على جوع ؟ آه لعله أشد الحيوانات صبراً . تحت رموزه التي حسب أن أحداً لم يفقه لها معنى وها قد بدأت ترتفع للأعلى رقعة الضوء وتلاشى عمود هبابها منذ ساعات ، وضع رأسه على خدر ما . إذاً هو وقت القيلولة ، القيلولة التي كانت إن لم تصرف مع شجيرات الحديقة وأفيائها ، فقد تمضي وزوج على فراش وثير أو مع كتاب وشباك مفتوح . عند أول المساء وقد جفاه نوم الظهيرة أسبل جفنيه على غفوة قصيرة حلّ فيها على فضاء واسع انقتحت فيه أبواب وانهدت جدران ، انطلقت من خلفها جموع نحو حقول وأنهار كان يجري في المقدمة منها غير آبه بمن ينادي عليه ؛ حليم ، حليم .. كان حلماً جميلاً وأسماً أجمل ، قال عند يقظته ، وظلت آثاره قائمة في نفســه لحظات . ليس ثمة سوى لمعة واهنة ، رأى ، تبدو على عينين حزينتين . إذاً لقد جفاه النوم فود لو يناديه بصوت ودود فلعل ذلك يمسح عن نفسه غبار الجوع . رفع أصابعه وتحسس الآثار الموجودة على الجدار .. لقد ظلّ محتفظاً بالزر الوحيد في جيبه ، فمرره بتلمس مرهف دقيق على الخطوط التي لم يكن الحفر فيها عميقاً ، متحسساً إياها مثلما يتحسس الأعمى بأنامله حروفه البارزة ليقرأ الشيء المكتوب . في الظلام يتساوى الأعمى و البصير ، وهذه ميزة عظيمة تعدل بين الجميع ، وها أنا معك يا صديقي في حال واحدة ، بيد أنك حر وأنا سجين .. تذكر صديقه الذي فقد بصره في حرب . بغتة فتح الكلب أذنيه.. كان ثمة صفير واهن لا يُسمع الاّ إذا قطعت الأنفاس ، ينهض الكلب عليه ولم يكن الفه بعد ، هل تراجع الكلب أم غيّر سلوكه ليستقبل هذه المرة هذا الصفيرالغريب. إذاً لو كان ضوء كاف هناك لكان عرف ما يجري الآن تحت لسانه وبين فكيه. تساءل عن مقدار جوع الكلب قياساً على جوعه ولما يمض على غدائه وقت طويل ، وحسب ذلك ظلماً قاسياً يقع على كائن آخر ربما لم يقترف ذنباً من قبل . تدانى الصفير ،ثم عاد وتلاشى لحظات في لعبة حسبها سمجة ليظهر ثانية قوياً مع ضوء مصباح . بينما تلاعب الرجل بخيوط لعابه ، تقاطر لعاب الكلب وانتفض بجسده للأعلى كالملسوع . انحرف الضوء عن رقعة الكلب وأتجه نحو الغرفة ، وكان الصفير ما يزال منطلقاً بأقصى درجات مرحه متداخلاً مع تصويت سلسلة الباب الثقيلة . قدم الطعام وأغلق الباب من دون أن تنقطع دوامة الصفير حتى عدّه هذه المرة فاحشاً وكريهاً . غاب كل اثر للحارس او لغيره ، واستسلم الكلب ليأس قاطع وربض على رقعته مكوراً جسداً انخفضت بطنه وبرزت بعض عظام صدره ونتأت غوارب شعر رقبته . هاهو الليل يتقادم يقدم للوحشه وجبتها الطازجه التى تتجدد كل ليلة على هيئة رجل وحيد . " ان من يتيه هو الذي يجد الدروب الجديدة " هكذا يقول المثل ، وها انني تهت يا سيدتي فلم اجد غير الدروب المغلقة .. امامي جدار وخلفي جدار فعلى اي الجدارين أميل ؟ كان الليل اسرف في جريانه وجرف معه قوة الرجل على التفكير وعلى التخاطر ، او ما كان يحسه هكذا احيانا ولا سيما تخاطره الليلة مع الكلب ، فنام كعادته تحت الجدار الذي عليه خطوطه مثل حارس امين . * * * في حلم ليلته الفائتة كان هناك نهر واطفال وبنات آوى وكلاب .. شمس وحقول وسماء مفتوحة تشق العين . من اجل ماذا سرب ذلك الليل المعتم دوامته الحلمية التي غمرته حتى ايقظه الصفير؟ وحتى التفت الى حيطانه العالية وبابه المغلق باحثا عن شيء يمكن الامساك به مما دعاه بالحلم الفريد؟ اكان حلماً واحداً متصلاً ام مجموعة احلام ؟ آه .. الحلم يبدد الوحدة ويهدم الجدران ويقتلع الابواب ، ويا ليته في حلم لا يقظة فيه . ُفُتح الباب .. سُحبت السلسلة وانفرج انفراجة ضيقة سمحت له بالمرور من خلالها .. كان في حاجة قصوى للوصول الى الحمام متجاوزاً زئير الكلب ووثوبه المحدود عليه . كان الحارس منشغلا باشعال سيجارته حينما عاد في هدوء واخرج قطعة اللحم التي وفرها من عشائه واخفاها في جيبه والقى بها الى الكلب الذي كانت قدم الحارس الرياضي اليقظ اسرع اليها من فمه لتسقط بعيدا عنه . " المرة القادمة سأخرم مخك بهذا "، واومأ الى مسدسه الذي في حزامه ودفعه حتى اصطدم بحافة الجدار سال عليها دم رأسه . ذلك كله لم يمنع صفير الفطور من ان ينداح بعد ساعة كما لو من وراء جبل ، ثم يقترب ويقترب حتى يدخل فضاء الكلب والرجل ، ثم يخفت مثل كل مرة ، وبانتظار وقت ما ، اشارة ما ، ينطلق من جديد اكثر مرحاً واكثر حركة وتجاوباً . هذه المرة هب الكلب بأعظم قدرة لديه فأذا منعته سلسلته عاد ادراجه الى الخلف ، والى حيث تمنعه مرة اخرى من انتزاع راسه منها . وسوى الرجل لم يكن هنالك من يعلم ، بمن فيهم حارسه ، مقدار ما بذل من جهد وما اصابه من الم ليستكين استكانة الذليل اليائس تماماً ، ولتذوب لمعة الامل التي كانت تنوس في عينيه كالدموع ، هل يبكي الكلب الذي لم يحرك الحارس ، الذي تقدم بطعام الفطور، فيه غير حركة ذيل معزولة عن جسد هامد وبعض خيوط من لعاب شحيح؟ " كل طعامك واحذر ان تلعب لعبتك البائسة تلك " يقول الحارس ذلك ويغلق الباب على اكثر من لحن ويغيب في الوقت الذي لبثت فيه عيناه ماثلتين في عيني الرجل مثل عيني ذئب يغني لوليمة جاهزة . من يستطيع ان يمنع رصاصة عن جسد البريء ومن يستطيع ان يمنع تناول الطعام بالاكراه ويمنع تقييد الحيوان ؟ من يستطيع ان يمنع اقامة مثل هذه الجدران ؟ لقد جف طعامه منذ ساعة او يزيد ، وشهيته المغلقة تأبى عليه ان يتناول شيئاً منه ، ومع ذلك فعليه ان يأتي كلية عليه . بين اربعة جدران وباب مغلق تحصل اشياء غريبة ، ومن عجب ان احداً لا يعلم بها ، وقد تبقى مجهولة الى الابد ثم حتى اذا انفرج عنها الباب ، فقد يمر عليها الآخرون دون اي مبالاة وقد تداس بالاقدام ، فمن يعرف ان على رجل ان يفتح شهية تامةً لطعام ولم يجف دم رأسه المشروخ بعد ؟ ومن يعرف ان قبالة رجل بريء كلب جائع له انياب ذئب وطبيعة ذئب .. وانت ايتها الاجمل هل تعرفين ؟ آه .. نعم .. فانت الوحيدة التي تعرف والوحيدة التي تحزن والوحيدة التي تخسر .. وانت الوحيدة التي احب . لقد ضاق بالطعام الذي كان يتوالى عليه بتوالي الساعات ، ولم يعد يأبه بالصفير كما لم يعد لعابه يسيل عليه .. وبقدر ما كان يحصل هنا ، كان الكلب هناك يحرم من طعامه وتزداد شراسته وينازع كل آن سلسلته . ان ما بدأ يقلقه الآن ان الثلاثة عادوا كرة اخرى وبصورة سريعة ، ترتجف عضلات وجوههم على غضب شديد .. دهموا الغرفة والقوا نظرة شاملة على ارجائها بما فيها الرموز المتجددة التي ازدادت عمقاً وتهامسوا في ما بينهم : "لقد جاع الكلب بما فيه الكفاية ، والرجل يجدد ذاكرته باصرار " * * * بمضي ساعة او يزيد عاد الصفير .. الصفير القديم الذي لعب بنفس الكلب حين فتح عينيه واشرع اذنيه ودارت بين فكيه قطرة لعاب . حين تدانى الحارس كثيراً ، يتصاعد ايقاع صفيره الموصول ارتعد جسد الكلب وبدأ يضرب الارض بقدميه .. لقد كلّ نظره حين لم يكن الحارس يحمل طعاما بيديه . ثم تدانى كثيراً وما يزال صفيره يدفع بالكلب نحو الجنون ، حتى اذا نهض فاتحاً له ذراعيه تحول عنه نحو الغرفة واعمل مفتاحه في بابها فانفرجت تماماً. فغر الرجل فاه وتراجع الى الوراء حين رأى الحارس يعود مسرعاً ليمسد على رقبة الكلب ويغمره بصفيره المثير ويُعمل مفتاحه في سلسلته من بعد . لم يكن الحارس ذكياً هذه المرة حينما انقضّ كلبه عليه .
مرسلة بواسطة arabicshortstory في 09:35 م 0 التعليقات روابط هذه الرسالة
13 فبراير، 2008

معيوف المخطوفكتبها لكم : مصطفى سكـر- المدينة التي ليس بها كلاب حراسة ، يحكمها ابن آوي . مثل سومرييتحسس نفسه بين فينة وأخرى ليتأكد من كيانه أثناء ما يجرجر رجليه قاصدا حيّه التعيس ، يتمنى في كل جرة رجل ألا يقع في الخطوة التالية ، يدس يده في جيب ثوبه الأيمن ، ثم يسارع بإخراجها وكأنه إرتكب خطيئة ، يعيدها ثانية إلى الجيب لإحساسه أن الخطيئة أنه أخرجها ، يتذكر أن يده اليمنى هى التي بالجيب فيخرجها منزعجا بحكم ما ترسب عنده من حرمة تغييبها ليضع الأخرى في جيبه الأيسر ! .. خشى أن يكون إرتباكه قد لفت من يمرون به ، فقد كان مبعثرا ومتعثرا في نفسه ، كان يشعر بغربة شديدة في هذه المدينة الصاخب ضاجها ، رغم أنه قضى عمره بها ، ليس بها بالضبط ، لكن في طرف أحد أحيائها العشوائية ، لم يغادر هذا الحّي التعيس حتى صار شابا مكتمل الرجولة ، أباه هو الذي دفعه دفعا للخروج من الحّي وإكتشاف المدينة ، بعد أن لاحظ عليه كثرة اللعب أسفل بطنه ، قال له .. - ظروفنا جد بئيسة في هذا الحي المكتظ المنسي ، لن تستطع ياولدي أن تجد بضاعتك التي تصبو نفسك إليها ، أخرج وتمشى وسط المدينة ، فإن فعلت ، فستجد في الأرض مراغما كثيرة ! .. على هذا بدأ التمشية رغم عزوفه ، كان راضيا بموقعه في قوقعة هذا الحّي المهمل الذي يشبه مخيم النازحين من جحيم الحروب أو من الكوارث الطبيعية ، لكنه ولد وترعرع فيه ، ولم يكن طموحه يدفعه يوما للخروج منه ، بل كان يخشى مجرد فكرة الخروج ، كانت قناعته أنه لو خرج فسيموت ، كما يموت السمك إن خرج من الماء ، كان هذا الحّي العشوائي المنسي بكل نقائصه هو ماؤه ونهره وبحره ، محيطه الذي يحتويه ويسبح في تيارات دروبه التي يعرفها جيدا ! .. وكانت المدينة في نظره رغم زخرفها وبهرجتها (بعبع) كبير يلتهم الغرباء ، ورغم ما يسمعه عن كبر مساحتها وإتساع فضاءاتها إلا أنه سمع أيضا أن الحياة بها تشبه الحياة في سجن ضيق كئيب ، وأن أحياءها الحديثة وشوارعها الفسيحة ماهى إلا قفص كبير محكم جدرانه بنيت من الأحزان وسقفه الذي يعلوه قد من الكآبة ! .. ظل يبذل مجهودا كبيرا ليجعل خطواته ثابته على الرصيف ، لكن الأضواء المبهرة التي كانت تغمز ملونة على واجهة المحلات ومن أعلى البنايات كانت تزعجه فينتفض بدنه مرتعشا مع غمزاتها ، حتى إشارات المرور في نهايات الشوارع التي كانت تتغير آليا بين الأحمر والأصفر والأخضر كانت تؤلمه وتستنفر حواسه ، أما ما كان يرعبه حقا هو إنطلاق السيارات التي كانت تلمع تحت الأضواء ، بسرعة خارقة رغم تزاحمها وإنعدام المسافات الآمنة بينها كأنها أسراب من الجراد يقودها جوعها ونهمها للهجوم بأفواج متراصة على الحقول الآمنة الخضراء لتلتهمها ، وهذا ما جعله يتهيب النزول لفترات طويلة من فوق الرصيف عند كل معبر حتى لا تلتهمه إحدى هذه الجرادات ! .. ظل منزعجا ومتألما ومتهيبا وهو يشق طريق عودته إلى الحّى بعد غيبة إستمرت قريب الشهرين منذ جاء إلى وسط المدينة راكبا (الأنيسة) وهى الحافلة الشعبية الصغيرة المتهالكة التي يقودها سائق متهور ، كان محشورا بين آخرين أغلبهم مغتربين جاءوا سعيا وراء الرزق ، وقد تنفس الصعداء حين هبط منها خاشيا أن يكون قد علق به رائحة عرقهم النفاذة أوعلل أبدانهم ، لقلة الإعتناء بنظافتها ، خاصة إنه قد تحمم وتعطر وتبخر ولبس ثوبه الوحيد الذي غسله وكواه قبل أن يبدأ رحلته الميمونة ! .. نسى كل هذا حين جذبت عيونه ضخامة وفخامة المجمع التجاري الشهيرالسابح في الأنوار، وقف أمامه مبهوتها ومبهورا يتأمل روعة بنايته ! .. لم يجرؤ على التقدم مثل ما يفعلون والدخول إليه ، خوفه المبطن من (بعبع) المدينة صده ، فسلم نفسه مختارا أومجبرا لرهّاب خوفه وظل بعيدا يتأمل مترفيها يدخلوا فيها بجلباتهم وضحكاتهم ، سيارات كثيرة تقف أمام المجمع تهبط منها مجاميع أسرية تبدو عليها مظاهر النعمة والبطر ، جاءوا ليمضوا وقتا يبعدون فيه ملل إستراخاءاتهم في تسوق إحتياجات كثيرة ليسوا في حاجة لها بالضرورة ! .. في لحظة برقت في نفسه شجاعة وقتية دفعته فضوليا أن يفعل مثلهم ، لكنه قبل أن يفعل ، تراجع لأن عيناه سقطت على رجلين للحراسة بزيهما المميز يحرسان باب المجمع ، ففضل ألا يغامر وإكتفى بالإنزراع في محله والتفرج من بعيد ! .. كانت عيونه تمتط زائغة لكل من تحمل حقيبة تتدلى من كتفها وترتج أعطافها الأنثوية من تحت عباءتها وترقى فوق حذاء نسويّ لماع ببوز مدبب طويل وبكعب عالي خطير ومدبب هو الآخر ، صفع أنفه أريج عطر قويّ فواح أيقظه من لهاثه وجعله يلتفت مذعورا في إتجاه مصدر هذا العطر الفواح كمن مسه تيار كهربيّ فصعقه وجعله يصرخ بعفوية .. - ياالله ، إنه ريح طيب من أرياح الجنة ! .. كان شبح إمرأة قد مر بجواره دون أن يلحظ رآها من ظهرها تتجه واثقة الخطى نحو مركبة سوداء كبيرة إنفتح بابها فولجته ، لحظات وهبط من السيارة عملاقان أسودان يرتديان بذلات داكنة وربطة عنق مقلمة ومن آذانهما تتدلّى أسلاك تشبه أسلاك سماعات التلفونات وعلى وجهيهما نظارات سوداء معتمة تشبه زجاج سيارا ت الشرطة ، إلتفا حوله ثم جراه بقوة نحو السيارة مما جعل قلبه يسقط بين رجليه ويسير مسحولا بينهما بلا مقاومة تذكر ، قذفاه داخل السيارة على أريكة جلدية فسيحة فإرتمى بين زنقتيهما من جانبيه ! .. حين عاد إليه رشده وجد على الأريكة المقابلة المرأة ذات العطر الفواح وكانت قد كشفت عن وجهها القمريّ الذي جعله يعتقد أنه إن تلألأ في ظلمة السماء لأضاءها ، نظر مشدوها إلى فتنة محياها وإنسطلت رأسه بخمرة فتنتها فغاصت يده لاشعوريا تتحسس أسفل بطنه ، لكن حين غربت السكرة وحضرت الصحوة سمع المتلألئة تسأله بإبتسامة خطافية من بين فراولتيّ شفتين تشتت ذهن العابد الزاهد ! .. - أأعجبت بجمالي ؟ .. إنكمش في مكانه ولم يستطع النطق رعبا من جراء حشرته بين رحى العملاقين ، فقط أومأ برأسه إيماءة خفيفة دليل الرضا .. - وتتمنى الزواج مني ؟ .. حين إخترقت كلماتها الأخيرة طبلة أذنه ، بزغت من ظلام تربته أمنيات كانت مقبورة منذ بلوغه مبلغ الرجال وتسلقت أسوار وجده صاعدة نحو سنا ضياء المتلألئة كما يتسلق نبات اللبلاب الأسوار العالية مشرئبا نحو سنا ضياء الشمس ، أومأ برأسه ثانية متأملا ومتمنيا .. وقتئذ أشارت بأصبعها الطويل الذي ينتهي بأظفر ناري يشبه أصبع الديناميت المشتعل الذي يوشك على الإنفجار إلى أسفل بطنه آمرة الرجلين بالكشف عما عنده ، أسرع أحدهما بتكبيله من رقبته ليشل مقاومته ، بينما أنزل الآخر سرواله وكشف عن سره الأعظم ، لما رأت المرأة سره ظهر عليها الدهش وسرت سرورا عظيما ، فأشارت ثانية ، فأسرع من كشف السر بتغطيته ، طقطقت المتلألئة بأصبعيها ثلاث مرات ، بعدها طارت المركبة مسرعة إلى الأمام ، لا ، بل إلى الخلف ، لا لا ، إلى الأعلى ، نعم طارت إلى أعلى ، أتريدون الحقيقة بالضبط أنا لا أعرف في أى إتجاه طارت لأني وقتها لم أكن في موقف يسمح لي بتحديد إتجاه طيران المركبة بكل دقة ، فقد كنت منضغطا ومشوشا ! .. خرجت كلمات متثاقلة من بين فكيّ عويضة أبو مطوة (سميّ بهذا لشهرته باللعب بمدية أو مطواة لاتفارقه لها سلسال طويل يظل يطوحه ويلفه حول أصبعه) .. - هااااه ، هذه هى الأطباق الطائرة بعينها ، سمعت بها ، سمعت أنها تهبط من السماء وتخطف بعض البشر ثم تذهب بهم إلى حيث لا يعلم أحد ! .. تبعه سبيت الأبرص مؤكدا على روايته بإندهاش .. - أنا الآخر سمعت بهذا من عمي قديما لكني كنت أظنه (يخرط) فلم أعر الأمر إهتماما ! .. وقال دليبح متدخلا ومحذرا .. - صدق ، كل كلامكم بالله صدق ، لكن إعلموا أن هذه الكائنات لا تأتي في صورتها ، بل تتلبس لبوس البشر حتى يسهل عليهم الإندماج بنا ، تماما كما وصفهم معيوف ! .. عاد عويضه يتدخل لينهي سخونة النقاش ، فصاح وهو يطوح بسلسال مطواه .. - ياشباب ، ياشباب ، أرجوكم إصمتوا حتى نتمكن من سماع بقية الحكاية ، بعدها علقوا كما يحلو لكم وكما تشاؤون .. كان هذا الحوار بين مجموعة من الشباب يقفون على رأس الحىّ فوجئوا بظهور معيوف فإلتفوا حوله وأخذوا يمطرونه بوابل من الأسئلة لإجلاء غيبته عنهم وعن الحىّ .. كان معيوف على وشك الإنهيار من التعب فقد سار طويلا في حر الليل ونفث جسده أغلب سوائله فإلتصقت ثبابه بجسده ، إنهار تعبا على حافة بيارة بيت شعبيّ قريب تتسرب من شقوقها غازات عطنة وترتشح من جوانبها مياه آسنة ذات رائحة كريهة ، وعندما إستراح بدأ يستجيب لإستفهاماتهم ، بعد أن هبطوا مثله على الأرض وإلتفوا حوله منصتون ولم يعيروا ما يستنشقونة من روائح أى إعتبار فلقد صاروا في غمرتهم يعمهون ! .. لم أعرف كم من الوقت مر لكني أفقت فوجدتني داخل بنيان كبير تغمره الأضواء وتزينة الفرش وتملأ جنباته أثاثات فاخرة لم أرى في حياتي أو حتى في أحلامي أشياءا مثلها ، تركوني في مجلس كبير مؤثث بأفخر الكنبات والسجاجيد والستائر وتتدلّى من سقفه أنفس الثرايا وتفوح من جنباته أغلى انواع البخور ، أخذت أتلفت حولي مدة مسرورا ومندهشا كأني في حلم جميل ، وساءلت نفسي .. - أمعقول أن على هذه الأرض التي نعيش فوقها بيوتا بهذه الأبهة ؟ لقد عشت عمري كله في بيت متواضع بل أقل من التواضع نفسه ، لذلك كانت الصور المنطبعة في مخيلتي ، أن كل البيوت كبرت أو صغرت تتشابه ، لكن الصور التي رأيتها حولي طمست ما في مخيلتي ، بعد أن إكتشفت وقتها أننا نعيش في الحضيض ، بل أسفل كثيرا من الحضيض ، هذا إذا كنا نعيش حقا ؟! .. والأدهى أنه دخلت علّى خادمة تدفع أمامها عربة صغيرة ترتص فوقها أواني بلّلورية مليئة بأنواع كثيرة من الفاكهة بعضها عرفته على الفور كالموز والبرتقال أما الأخريات فقد فشلت في معرفتها ، أما القوارير الكبيرة الممتلئة بالعصائر الملونة - فالكذب خيبة- لم أعرفها جميعها ! .. وكأنها كانت تسألني ما أريده من عصائر لتصبه لي ، لكن عصىّ على فهمها أو الرد عليها ، لأنها كانت تتكلم الإنجليزية بلكنة غريبة وبسرعة ، فلما طهقت من غباوتي تركت العربة أمامي وإنصرفت ! .. بعدها بمدة جاءني ثلاثة من نفس النوعية فتيات تشبه اليابانييين أو الصينيين لكن لحسن حظي كانت إحداهن تتكلم العربية بطريقة ركيكة لكن مفهومة ، أخذنني من المجلس إلى ممر طويل وإلى منحنيات وصالات وسلالم رخامية مصقولة وإنتهينا إلى غرفة نوم كبيرة مفتوح داخلها بابا لحمام ، لما ولجناه رأيته نظيفا ومنمقا ومنضبطا مثل صيدلية الخواجة ، وكان كبر الحمام يشبه كبر بيتنا إن لم يكن أكبر ، وفيه أجلسنني ثم بدأن العمل ، إحداهن تقص وتتصفف شعري والأخريات يشذبن أظافر يدي ورجلي ، ثم أزالوا لحيتي وشاربي ، وقبل أن يخرجن طلبن مني أن أستحم داخل المسبح وأتنشف ثم أرتدي الروب المعلق وأدخل الغرفة وأخلد إلى الراحة ! .. رغم إحساسي بالتعب ورغم أن السرير الفخم كان مريحا ، لكني كنت أتقلب كدرا ، لأن جسدي لم يتعود على هذه الراحة ، جسدي لم يتعود النوم إلا على لوح المسامير كفقراء الهنود ، ومساميري كانت مرتبة قطنية منبعجة ومهترئة وغطاء من الصوف مشبعان برائحة الخرفان أو ببول الصبيان رغم أنهم كانوا ينشرونهما فوق سطوح البيت تحت أشعة الشمس كل يوم ! .. كنت أتخطف النوم لمدد مختلفة ثم أصحو قلقانا وحيرانا ، أضيئ الأنوار وأذهب إلى الحمام وأقف أمام مرآته الكبيرة أطالع فيها بتعجب وأسأل بصوت مسموع .. - من أنا ؟ أين أنا ؟ وكيف جئت إلى هنا ؟ ، ومن هذا الشخص الواقف أمامي في هذه المرآة ويكاد يشبهني ؟! .. في صبيحة اليوم التالي أفطروني إفطارا شهيا ، ثم أحضروا ممرضة قالت إنها ستزرقني بحقنة بها مجموعة فيتامينات ستجعلني بخفة جان وقوة حصان لمدة شهر كامل بالتمام والكمال ، وفي المساء أحضرت إلى مجلسهم الكبير الذي كان عامرا بالأوادم ، تهللت قسماتها حين رأتني بينما لصق بصري بفستانها العشبيّ الذي يشبه البستان المرتوي بندى صبح نديّ رقيق جعل جمالها الفضاح يصرخ " ياأرض إغلي ما عليكي مثلي " كما يقول المثل الدارج عندنا ، فلم أبالي بعيون الرجاجيل التي كانت تتفحصني وتتمحصني على إعتبار أني مخلوق عجيب إلتقطوه من كوكب غريب ! .. ويبدو أن أحدهم كان مأذونا ، إذ شرع في التو بفتح كتابه وتلاوة كلمات متراصة كأنه يحفظها عن ظهر غيب ، ثم طلبوا مني التوقيع وتبعني شخصين آخرين ، بعدها طوى كتابه وهم بالإنصراف فتبعه كل من كان حاضرا ، وتركوني وحدي بالمجلس مع المتلئلئة التي صارت زوجتي ! .. بثقة تامة أمسكت بيدي وقادتني إلى غرفة نومها الأسطورية ، وعلى أضوائها الشاعرية بدأنا نتقارب ونتهامس ونتلامس إلى أن ذقت عسيلتها وذاقت عسيلتي مرات عدة حتى أنهكنا فنمنا إلى عصرية اليوم التالي ، وفي المساء زارنا شخص متين تبدو عليه النعمة والثراء وتظهر من تصرفاته العصبية أنه شخصية حادة ، نظر إليّ مليا والشر يقدح من عينيه ، ثم قال بفظاظة موجها كلماته إليها .. - ألم تجدي غير هذا الجرز المهين الذي لا يكاد يبين لتتزوجينه ؟! .. توقف معيوف برهة عن الكلام ثم توجه بكلامة إلى أصدقائه إمعانا في تشويقهم .. - أتدرون بماذا ردت عليه ياشباب ؟! .. غمغم بعض الشباب أو كلهم متسائلين بلهفة .. - هاه ؟! ضحكت بسخرية ودلال ثم جذبت يدي تضمني لجنبها ، وبدأت ترد له الصاع صاعين برد بدى قصده مفضوحا وهو كيده وأغاظته .. - رحماك ياطليقي رحماك ، لا تتسرع في حكمك ، أما والله لو إستدبرك بما إستقبلني به ، لبعت طارفك وتلبدت عليه ، ولعظم أمره عليك وصار أسدا في ناظريك ! .. إرتج جسد المتين غضبا من قسوة ردها وإحمر وجهه خجلا ، لكنه لم يرد ، بل مصمص شفتيه وكز على أسنانه ثم صفق كفا بكف وإستدار وإنصرف ! .. بعدها أخذت تقهقه نشوانة بتواصل وهى تفسر كنه ما حدث .. - كنت قاصدة إهانته وأغاظته لأنه يستاهل هذا وأكثر ، فهو زوجي السابق الذي طلقني طلاقا بائنا على أسبابا تافهة ! .. وبدأنا شهر العسل برحلة خططتها بنفسها إلى تركيا ، توجهنا إلى بلدة إسمها إنطاليا ، ومنها إلى جزيرة قريبة تسمى مرمريس وهى فعلا جوهرة شواطئ تركيا كما أخبرتني ، هذه الجزيرة ياشباب تقع على بحر يسمى إيجه والعجيب أن كل الرمال الناعمة لشواطئها الجميلة سوداء اللون ، والأعجب أن مسمى مرمريس كما فسرته لي يعني باللغة اليونانية " المتلئلة " وهو الإسم الذي سميته أنا لإمرأتي منذ لحظة رؤيتها ، لكني لم أبح لها به أبدا ، فأصبح ياسعدي عندي متلئلئتان في شهر عسلي ! .. سكننا في بيت فاخر ، فيلا صغيرة ، من الفلل المنتشرة على ربوات الجزيرة الناعسة ، وفيها حضرنا كثيرا من مهرجانات الترفية وعروض الرقص والغناء ، لكن أجملها عندي كان التمتع بمشاهدة المياة الساقطة بغزارة بزبدها الأبيض من علو شاهق من بين الأشجار الوارفة في بلدة صغيرة تسمى ، فتحية ، هههههههههه (يضحك) ! .. وياغمّي وياحزني حين كرّت الأيام وإنتهى شهرعسلنا سريعا وشددنا الرحال للعودة ثانية إلى هذه الديار ! .. في نفس يوم عودتنا مساءا وحين مازلت أرفل في نشوة الفرح تغيرت الأحوال الجوية ، وإنقلبت نشوتي وفرحتي إلى غم وهم ، فقد فوجئت بها عابسة ومتجهمة وجادة على غير العادة ، جلست أمامي وقالت وعينها لا تطرف ولا تفارق عيني .. - إسمع يامعيوف ، أنت أكيد تعلم أن إستمرار زواجنا من درب المستحيل ، فأنت من ضفة وأنا من ضفة أخرى ، ومن العسير على ضفتيّ النهر أن يلتقيا ، يمكن أن يتقاربا ولكن سرعان ما يتباعدا ، فالشرق شرق والغرب غرب يامعيوف ولن يلتقيا ، ولعلك بعد أن إقتربت من حياتي علمت ضخامة متلطباتي وبازخ رغباتي وطريقة حياتي ، وأنت أكيد ولا ألومك على هذا ، لن تستطيع أن تتحمل عبئ هكذا معيشة ، وأنا ، من رابع المستحيلات أن أتنازل عن حياتي هذه من أجل أى أحد ، وعلى هذا فقد جاءت لحظة الحقيقة التي لابد من إعلانها ، وعليك ياإبن الحلال أن تتقبلها بكل هدوء وكياسة .. بعد قليل سوف ننفصل عن بعضنا وسيذهب كل منا في حال سبيله ، وأنا وأنت يجب ألا نندم على ماقمنا به ، علينا أن نعتبره حلما جميلا رأيناه ولكن الأحلام تتلاشى عند الإستيقاظ كما تعلم ، هيا يامعيوف كن متفهما ومطيعا كما عهدتك ، فالرجال ينتظروننا في المجلس ومعهم المأذون لنتمم إجراءات الطلاق ! .. أخذت بيدي ، لثمتها ، ثم سحبتي منها ، كما يسحب شاري الأضحية أضحيته إلى المسلخ ليذبحها ، تبعتها راضيا دون أن أنبس بأى كلمة بعد أن دلقت فوق رأسي تعاويذ كلماتها السحرية التي شلت مقدرتي وتفكيري ! .. في المجلس رأيت (ربعها) يتسامرون ويضحكون ، وكان بينهم طليقها المتين الذي كان يرتج ضحكا ، فلما رأونا توقفوا ، فتح المأذون كتابه وطلب مني رميّ يمين الطلاق عليها ، أدرت رأسي نحوها وكأني أريد التأكد من صلابة رأيها ، رأيتها سعيدة وباسمة وتومئ لي برأسها ، فنطقت مخنوقا .. - أنت طالق ، طالق ، طالق .. في غرفة نومنا طلبت مني الخادمة التي تتكلم العربية أن أدخل الحمام وأترك ملابسي وألبس الملابس التي حضرت بها والمعلقة على المشجب ، ولما خرجت وجدت طليقتي منتظرة ، شكرتني بحرارة ثم مدت يدها بمظروف قالت أن به مبلغا من المال ، بالطبع رفضته ، لكنها أصرت أن آخذه كهدية وقالت أن الهدية لا ترد ! .. على باب البيت وجدت المركبة الكبيرة في إنتظاري وبجوار بابها المشرع العملاقان إياهما ، دفعاني داخل السيارة وركبا حولي ، بعدها طارت المركبة إلى الأمام ، أو إلى الخلف ، ويجوز إلى أعلى ، عموما لا أستطيع بالضبط أن أحدد لكم في أى إتجاه طارت ، لأني كما قلت كنت مرتبكا ومشوشا ! .. وعند نفس المجمع التجاري الذي قابلتها عنده أخرجاني ، لكن قبل أن أهبط من المركبة دس أحدهما يده في جيبي وأخذ الهدية ، الهدية التي لا ترد ، ثم دفعني بغلظة إلى قارعة الطريق وطاروا ! .. توقف معيوف عن الكلام بعد أن تهدج صوته وإمتلأت عيناه بالدموع ، وضع رأسه بين كفيه وأخذ ينتحب في هدوء ، في حين ماتت الكلمات على ألسنة أصحابه التي تيبست ولم تستطع أن تعقب على غيبته كما كانوا يزمعون ، قطع السكون مواء طويل مكلوم لقطة كانت تقف في ركن بعيد ، سأل معيوف ورأسه مسجاة بين يديه .. - ماهذا المواء الغريب ؟ .. - إنها بسّة تبحث عن عرّي ، (صوت عويضة يجيبه بحزن) .. - وماهو هذا العرّي الذي تبحث عنه ؟ .. - العرّي هو الذكر يامعيوف .. رفع معيوف رأسه من بين كفيه ومد يدا نحو عويضة جذب بها المطواة ثم فتح نصلها ببطئ وهو يقول .. - حسنا ، أنا لم أعد في حاجه إليه بعد أن أخرجت منها ! .. وبيد ثابتة أرخى سرواله وقطع ذكره وطوحه ناحية القطة التي قبضت عليه بأسنانها وإختفت ، لحظتئذ هب الشباب مذعورين ومتناثرين في إتجاهات عدة من صدمة وهول ما رأوه ، وندت من أحدهم صرخة مدوية .. - لاحول إلا بالله ، معيوف خصى نفسه يارجاااااااال ! .. إنتصبت الصرخة المدوية كنصل سيف بارق شرخ طرحة الليل السوداء المسدلة على رأس وكتفيّ الحىّ المنسي الغارق في العتمة ، والهاجع سكانه البسطاء على مراقد طافية تترجرج فوق أمواج أحلامهم المكررة في صبر أزليّ لنوال مرابع النعمة ! ...
القصة إنتهت وتصبحون على خير جدة ، كانون ثاني 2008 Sokkar.ksa@gmail.com
مرسلة بواسطة arabicshortstory في 02:49 ص 1 التعليقات روابط هذه الرسالة
12 فبراير، 2008

Man and Woman
كتاب عراقيون - طاهر عبد مسلم Guest Writer*رجل وامرأةخطى على الثلج ...وكان الأثنان يسيران في موكب ابيض ، عالم بلا ضجيج اختصر فيه اصطخاب التتابعات اللونية الى بياض، وهكذا راح الأثنان يختصران الزمن المنسكب على ندف الثلج المتساقط ، لم تكن هنالك غير اشباح اشجار جرد والأثنان بعصيهما الأربع وخطاهما القلقة يجوبان براءة الشتاء ويتحسسانه بصمت ، تمرق فجأة جوقة كلاب تسحب عجوزا على زلاقة ، تنظر العجوز بتساؤل الى الأثنين السائرين بينما الشمس المتقهقرة تسحب بقايا احمرارها على البياض الغامض ، ظل المشهد منسابا تجلله موسيقى هادئة والشاشة يغطيها المشهد الثلجي. قال في سره : يالنظرة تلك المرأة الغريبة . ولاحت له خطوط التجاعيد التي طرزت الوجه المحتقن ، تأمل الرجل السائر على الثلج الوجه الشارد لفتاته ، استغرق في متابعتها بعد لحظات وهي تسحب قدميها من حفرة ثلجية وهما يبتسمان ( ثم سؤال يراود الرجل وهو ينظر في عيني المرأة : ترى لم يهاجر الأولاد مثل عصافير رخوة ... وينخرطون في ثلج الذاكرة ، يدسون دفاتر الأيام الساخنة في جليد الغربة والقلق .. ولا يبقون الا آثار عناق وذكرى وتأوهات ؟) . كانت هي تثبت الأزرار على القماشة بينما هو يحملق من خلال زجاجتي نظارته في اجابات الطلبة ويقطع النظر بين حين وآخر الى ذلك الكوكب الثلجي القائم على الشاشة .كان الهدوء يلف جلستها بينما المطر ينهمر على الزجاج ، كانت هنالك مدفأة بخطوط حمر اربع تشع دفئا بينما هو منشغل بالكتابة ، كانت غريبة تماما بعينيها الخضراوين الواسعتين وخصلات شعرها الأشقر الذي تسلل من تحت شالها الأسود ، كانت تفرك اصابعها .. قال : القلق جزء منا ، لكن سيتوقف المطر وسيعود السائق وتكونين في المنزل ، كان هنالك كلام عن المجهول .. عن اناس في الخارج تجهلهم ولكنهم يرصدون وجودها في المكان . وجدته انسانا جادا وعمليا ، طموحه بلاحدود وسمرته لافتة للنظر ، قامته طويلة وأناقته ووسامته واضحتان ، تتذكر تلك النظرة الذكية التي تغور في عمق الذات ، ارتبكت امامه ووجدت نفسها لأول مرة محاصرة بأنوثتها بعد سلسلة من الوجوه التي ارادت الأقامة في عالمها .. المجهول .. وجوه شباب نقلوا لها اعجابهم بها .. اما هو فقد كان لوجوده اكثر من صدى ، له نظرة ذكية ثاقبة ، يتوقف قليلا ثم يمسك قلمه ويستغرق في الكتابة فيما هي تنشغل في متابعة رجل جدير بأن تتأمله امرأة باهتمام ، كانت قبالتها صورة جميلة له وهو يقف بثقة على فضاء ثلجي ... لم تشأ ان تسأله ابدا اذ كان الحوار متصلا وغريبا ، في دفتر عتيق ثمة صورة للأب منخرطا وعلى هذا فسر لها الحرية . وفي ورقة صفراء كان اشتراك الأب شابا في حركة ثوار العراق ... وفي عقد زواج التحم الأب بكائن بيولوجي اسمه امها ... وقذفاها الى لجة الترحال من محافظة بعيدة الى مدن تحاذي بغداد وهاهي في قلب بغداد في غرفة تجثم على سطح بغداد ، يختصر المكان فيها ... هذا الفتى ... ابتسامته الغامضة وامتداد ذراعه الواثقة واصابعه الناحلة ، تمنت في سرها لو رافقته في تلك الرحلة الثلجية . قال لها : مدي يدك .. عبر النافذة ، انها ندف الثلج .... ولكن لم تكن هنالك ندف ثلج بل كان هواء باردا فحسب ، هزت كفها مرات عدة فلم تقبض غير الريح الباردة ، ولهذا عادت الى المدفأة ذات الخطوط الحمر الأربعة وما ان اقتربت حتى تحرك السلك وانفلت وبدأت الخطوط الحمر تخبو تدريجيا حتى خفتت ، عندها همست هي ( لقد انطفأت نار المدفأة ) ، جاء بمعطفه البني ، ينظر كعادته نصف نظرة نحوها ، ينحني ، يمد يده لزر الكهرباء ، يسحب السلك ، يدخله في الكوتين السوداوين ، ينحني ، تحسه قريبا تماما ، تسمع تنفسه ، سيشعر بوجودها المحاذي وهي سترتبك ، لكن شيئا ما يجري ، شيء بلا حدود ولانهاية ، امر يتعلق بالدفء وصورة الأكف الأربع في بوستر كرنفال في قمة اسكندنافية . قالت : اتمنى ان ارى ذلك المكان ، تلك الفسحة البيضاء الناصعة ، انه حلم يراودني ، ترتدي امرأة حمقاء مثلي بدلة بيضاء الى جانب رجل احمق ببدلة بيضاء على كون ثلجي ، انني ارى كل شيء حقيقيا وأتحسسه دوما وانت تردد : افتحي النافذة فقد جاء الثلج ، قالت الأنواء الجوية وقال المذيع سيجيؤكم الثلج وأكد الوزير القصة ، افتح النافذة مسرعة ، وهناك على تلك القمة الغريبة سيتبدل كل شيء عندما تمر امرأة ما ، عجوز ، وجهها مطرز بالتجاعيد ، ستمر بالقرب من ذلك البياض وستحاول ان تجرني بعيدا عنك ، مرددة .. لست له ... لست له ... لم يشأ الرجل في افادته بيان اسباب وجوده وسط ذاك الجليد الأسكندنافي واجتماعه بها ... ولا لم كذب الوزير .. لم تشأ المرأة ان تفصح هل انها ( انتمت الى الحركة ...) ولم هي هنا .. الآن ... المطر وحده بعثر فكرتها وجعلها تلجأ لأقرب مكتب في تلك العمارة ... السائق ماهو الا الحوذي الذي يبدو في البوسترات المعلقة في المكان ، الفتى يتحول فجأة الى رجل بفحولة تعيدها الى ربيع الثورة وسخونة الأحداث .. ظلت في جلستها تنشج بهدوء فيما هو مستغرق في الكتابة ... كان السائق قد طرق الباب ودخل ... قال له :.. لك ان تقلها الى منزلها ..الآن. نهضت .. وأحكمت ربط ازرار معطفها وودعته .. ... كان دخول الحوذي تحولا دراماتيكيا اعادها الى الواقع .. واقع شوارع بغداد المبتلة المهجورة .. كان منزلها هادئا في ذلك الشتاء البعيد .. ينحدر رجل ما .. وقور .. عبر جسر حديدي بارد ، يقف قبالة الباب وهو متلفع بمعطفه الرمادي ، ينظر عبر الزمن الى زجاج مشبع بالبخار ، كان هنالك دفء غريب خلف الجدران ، كانت هي في ثوب ابيض ، هناك عبر نافذة باردة ، عندما فاجأته امرأة طرزت التجاعيد وجهها متسائلة : من تريد... وماذا تريد ؟ كان قد مر كل شيء ، هو مستغرق في ذاك الخيال .. وهي تنتظر الرحلة الى القمة الثلجية البيضاء ، هو يزن كل شيء بميزان ، وهي ندية طيبة عذبة ، هو منهمك بالكتابة ، وهي تتحرق شوقا لسقوط الثلج ليتسرب الدفء اللذيذ بعدها ، لكن لم يسقط الثلج ولم تكن غير الريح ... .. كانت هنالك من تهز الرجل لأيقاظه ، يفتح عينيه ، ثمة امرأة قد طرزت التجاعيد وجهها ، فيما كان الفيلم قد انتهى واكتظت الشاشة بتشويش غريب ...
بغداد 1989
مرسلة بواسطة arabicshortstory في 02:00 ص 0 التعليقات روابط هذه الرسالة
11 فبراير، 2008

The story of Olaitha the teller
حكاية عليثة الصرافيرويها لكم : مصـطفى ســكر*** بعد أن إنتهت مراسم الحداد على زوجة (عليثة) أصبح وحيدا في منزله الكبير ، فهاهى زوجته الثانية قد رحلت عن دنياه ورجع ثانية وحيدا ومقطوعا ! عليثة لم ينجب من زوجته الأولى ولم ينجب أيضا من زوجته الثانية ، فهو يعلم أن حظه في هذه الدنيا منكود ! فرغم أنه يعمل صرافا في بنك معروف ومشهود ، ورغم أنه يقضي نهاره كله في قبض وصرف النقود ، إلا أنه لا يملك من حطام هذه الدنيا غير راتبه المحدود ، وسيارة قديمة مستهلكة تبلع الزيت والوقود ! عليثة لا لون له ولا طعم ولا رائحة ، تماما مثل الماء ، في حركاته بطيئ هادئ ينساب بين قنوات مجتمعه بلا ضجيج أو خرير ، ولو لم ترى سريانه لقلت أنه غير موجود ! عليثة مخلص جدا في عمله ، يعمل مثل آلة صماء ، تدور أصابعة بسرعة وبدقة كآلة عد النقود الورقية ، التي تقبع أمامه خلف نافذة المصرف الزجاجية ، وفي موعد الإنصراف ينساب في قناة أخرى تؤدي إلى بيته ، ولا يغادر البيت إلا للضرورة لشراء مقتضيات معيشته ، ثم يعود ، يعود إلى بيته الحجريّ الذي ورثه عن أبويه ! البيت قديم وأثريّ مبني بالأحجار وتقف على نوافذة مشربيات من الخشب المضفر ، تحجب ضوء وحرارة الشمس وتستر حريم الديار عن العيون البصاصة ! يقع البيت وسط مجموعة مباني متشابهة عتيقة بنيت منذ سنين طويلة في بقعة تطل مباشرة على البحر ، أغلب من بني هذه البيوت كانوا من صيادي الأسماك ، التي تنتظرهم قواربهم أمام أعينهم على رمال البحر ، لتأخذهم بعيدا في إمتداد آخر مجهول ! يتجمع الصيادون بعد الفجر وهم يتوشحون ثيابا بالية تفوح منها رائحة زفارة الأسماك ، ويتلثمون بشماغات باهتة فوق أنوفهم ورؤوسهم ، يلمون شباكهم المنشرة على أعواد الشاطئ ، ثم يضعونها في قواربهم قبل أن يدفعونها إلى الماء ، بعدها يجدفون قواربهم في إتجاه اليم ، حين تظل رقابهم مشرئبة نحو شاطئ الأحباب ، الذي يظل يبتعد ويبتعد مع كل ضربة مجدف ، وهم يتجهون إلى عرض البحر ليختفوا في فضاءاته أياما ! أبوعليثة خرج يوما للصيد كعادته وفي يده بؤجة(صرة) الطعام ، لكن غيابه طال سنوات وسنوات ، عاد بعضهم بقاربه الذي كان يترنح فارغا وسط البحر ، وجرفوه إلى الشاطئ ، فظل القارب شاهدا على من ذهب ولم يعد من بعيد ! إنتشرت شائعات بين أقرانه .. أقوال وأقوال ، منهم من قال أنه سقط من القارب وغرق ، ومنهم من قال أنه تعلق بسفينة تجارية مرت بجواره ورحل إلى بلاد أخرى ، ومنهم من قال أن جنية من جنيات بحر الظلمات رغبته لنفسها فإختطفته وذهبت به ! غاب أباه إذا عنهم .. وتلى ذلك وفاة أمه بعد عدة سنوات حزنا عليه ، فلم تكن المسكينة تتوقف عن ذكر محاسنه ومآثرة لحظة ، ولم تجف عيناها من ذرف الدموع عليه ! أما ما وراء هذه البيوت الأثرية على مدى زمني قد يصل إلى عشرين دقيقة سيرا ، فهى منطقة أخرى أنشأها التجار ، المنطقة تضم مجموعة كبيرة من المخازن والمحلات والأسواق ، أصبحت بعد سنوات قليلة الوسط التجاري لهذه القرية ، تلاها على البعد قيام مجمعات سكنية وبيوت ودارات ومدارس وعيادات وغيرها ، كإمتداد طبيعي للعمران الذي أخذ يتوسع أفقيا على بحر آخر شاسع ، لكنه هذه المرة بحر من رمال الصحراء الواسعة ! زيجة عليثة الأولى جاءت من إحدى قريباته ، قرابة بعيدة جدا لم يكن يعرفها ولم تخطر له يوما على بال ، فقد دقت بابه ذات مساء إمرأة عجوز ، حين فتح لها الباب متوجسا كعادته فوجئ بها ، عجوز حيزبون تلبس عباءة سوداء إلى مافوق رأسها ، وتضع برقعا يكشف وجهها إلى ماتحت أنفها ، بادرته العجوز قائلة بصوت مرتعش : " مساك الله بالخير ياعليثة ، أنا عمتك أم حنيش ، ألا تذكرني ؟ ". أجابها وهو لم يفيق بعد من صدمة رؤيتها : " لا والله ياعمة ، ماني فاكر شيئ ! ". قالت العجوز برجاء : " ياولدي أنا قريبتكم وكنت أجيئ دائما عند أمك الله يرحمها ، لكنك كنت صغيرا بعد ! ". أجاب وهو لا يذكر شيئا عن ذلك : " جايز ياعمة لكني لا أذكر ، المهم ، هلا بكي ومرحبا ، أتبغين شيئ ؟ ". قالت وهى تنظر من جانبه إلى داخل البيت المظلم : " ألا تدعوني ياولدي إلى الدخول لتسمع ما جئت لك به ؟ ". إستحى عليثة من نفسه لطلبها وخجل من غياب كياستة مع إمرأة عجوز تقف على بابه ، فتنحى عن فتحة الباب بسرعة وهو يقول لها : " آسف ياعمتي ، تفضلي بالدخول أهلا بكي ! ". حين دخلت المرأة وقبل أن يغلق الباب الخشبيّ العتيق الذي يصر على مفاصله ، لم ينس أن يطلق نظرات وجلة على الطريق يمنة ويسرة ! جلست أم حنيش على الأرض فوق حشايا المجلس العربيّ ، الذي لا تضيئة غير لمبة يأتي نورها طشاشا من السقف ، جلس أمامها ليقرب لها طاسة التمر ويصب لها فنجان من قهوة (الهيل) التي كان قد صنعها لنفسه منذ فترة ! بعد أن رشفت المرأة فنجانها هزته بيدها علامة الإكتفاء ، ثم تركت الفنجان وجذبت برقعها إلى ما أسفل ذقنها وتبسمت ، كأنها تريد منه أن يتأمل أحافير الزمن التي نحتت وجهها ، وكذلك التجويف الفارغ لفمّها المبتسم والذي لا يردمه إلا سنة يتيمة متآكلة ترقص تحت بسمتها المتلألئة ! وحين تأكدت أنه ملأ بصره من شكلها ، ورأت الإطمئنان باديا عليه ، قالت : " أعذرني ياولدي على غيابي الطويل عنكم ، فقد بعدت الشقة بيني بينكم قبل وفاة العزيزة أمك ، لكني الآن حضرت ، حضرت حين آن الأوان ..كما رغبت هى ووصتني ! ". صاح عليثة مندهشا : " أمي وصتك ؟! ". قالت العجوز بتأكيد : " نعم وصتني ، فقد كانت أمك ـ ألف رحمةعليها ـ تؤكد علىّ بعد كل (حلقة) ، ألا أنسي زواج الولد حين يبلغ الخامسة والعشرين ! ". نسى عليثة موضوع الزواج لأن ماعلق بأذنه غير ذلك ، فسارع بسؤالها : " تقصدين حلقة السمك (البنجلة) ياعمة ؟! ". قالت المرأة بدهاء : " لا ياولدي .. ليست حلقة السمك ، بل حلقة تجمعنا في الليل ، ألا تذكرها ؟ طبعا تذكر لأننا رأيناك مرات عدة وأنت تراقبنا ، أليس كذلك ياعليثة ؟ ". سرح عليثة بأفكاره بعيدا إلى الماضي البعيد ليتذكر ، تذكر جيدا ما كان يحدث بعد أنصاف بعض الليالي ! ففي سن الخامسة كان ينام دائما قريبا من أمه خاصة إذا كان والده غائبا بالبحر ، وفي ليلة صحى فوجدها تلبس عباءتها ثم تضع برقعها أسفل أنفها ، ثم بهدوء شديد تستل خارجة بحذر مخافة أن توقظه ، لكنه كان يقظانا فقام وراءها يتسحب وتبعها ليس تجسسا ، لكن حبا طفوليا للإستطلاع ، ظلت سائرة على الدرب الترابي الذي يؤدي إلى المقابر ، وظل خلفها يتبعها لكن بشقاوة عيالية ، كان بين فترة وأخرى يرقد على الأرض ساكنا حتى إذا نظرت خلفها لا تراه ، حين وصلت إلى رأس المقابر كان هناك نسوة أخريات قد سبقنها ، وإتخذن لهن مقعدا على هيئة دائرة ، آاااه ، هذه إذا هى الحلقة ، التي تقصدها العجوز ؟! لم يدري عليثة وقتها لماذا تتجمع هاته النسوة هناك ؟ وماذا يقولون .. أو ماذا يفعلون .. ولماذا يلقفون لبعضهن البعض ، ببعض حصوات تقرقع ببعضها ؟! صحيح أنه فعل هذا مرتين أو ثلاثة لكنه توقف بعد ذلك ، خوفة من عقابها إن إكتشفت أمره ، وكذلك هربا من لسعات البرد التي كانت تؤذي بدنه ، وبمرور الأيام أهمل الأمر ونسى الموضوع ولم يسأل أو يفكر فيه ثانية ! بعد أن تركت له العجوز فرصة للتذكر أكملت قائلة : " ياعليثة ياإبني ، بعد غيبة أبيك بالبحر ووفاة والدتك أصبحت وحيدا ، والوحدة ياإبني ماهي زين ، وأنا الآن جئت إليك بوصية أمك التي كانت قد عزمت عليها ، وهى تزويجك من إبنة عمك اليتيمة التي تتربى في ملجأ الأيتام بالبلدة المجاورة ! ". إندهش عليثة فسأل بإهتمام : " إبنة عم لي ؟! .. أى عم ؟! .. لست أعرف أن لي عم أو خال ؟! ". أشارت العجوز بكف يدها في وجهه وهى تقول : " لا يا إبني أنت مخطئ ، أعمامك كثر لكنهم منتشرين في أماكن بعيدة ودول خليجية عديدة ، وأحدهم عمك (عبدول) الذي توفى في حادث سيارة كان يقودها وتوفت معه زوجته ، ولكن بنتهما الطفلة نجت وسلمت إلى الملجأ لتربيتها ، و (يمنى) الآن كبرت وأصبحت عروس ، وهى تعمل مدرسة بمدرسة الأيتام ، تزوجها ياولدي لتؤنس وحدتك ولتساعدك على مصارف الأيام ، هيا ياولدي للخير هيا ، أقبل على الخير ولا تتقاعس ! ". كان عليثة وهو يسمع كلامها مبهورا بما يسمع ، لكن نظراته التي سقطت فجأة على قدميّ المرأة كادت أن تفقع ، إذ هيأ له شيطانه أن ما يظهر من رجليّ المرأة يغطيه شعر أسود كثيف ، وأن قدميها بحافرين مشقوقين .. فكاد أن يقهقه ، لولا أنه تمالك نفسه وإستعاذ بالله من الوسواس الخناس ، حين كانت تختم كلماتها قائلة : " ألم تلاحظ أبدا ياولدي الرجل القصير، الذي يقف قريبا من بنككم والذي يصيح على الناس بنداء : ( ياباغيّ الخير أقبل ! ) ؟ ". قال عليثة بسرعة : " بلى أراه ، الرجل القصير ذو الجلباب القصير والسروال الطويل واللحية البيضاء الطويلة والذي يلوح بقبضة من الأوراق في يده ! ". قالت راضية : " إذا طاوعنا ياعليثة وأقبل على الخير .. خذ هذه الورقة بها إسم البنت وعنوان الملجأ .. وخذ أيضا هذه الصرة ففيها شبكة العروس الذهبية ، تركتها أمك معي لأعطيها لك في وقتها المناسب ! ". قال عليثة بإستسلام وهو يتناول منها الأشياء : " مشكورة ياعمه على أمانتك ، وإن شاء الله مايصير إلا الخير ". نهضت المرأة وهى تهمهم متوجعة ومتجهة إلى باب الخروج : " ياكريم ديم علينا الصحة ديم ! " ، كان عليثة يمشي وراءها على مهل حتى يفتح لها الباب ، توقفت المرأة فجأة وإستدارت وأخذت تشمشم بأنفها ثم سألته : " أنسيت عشاءك على النار ياولدي ؟ ". قال عليثة محتارا : " لا لم أترك شيئا على النار ، فإني لم أجهزعشائي بعد ! ". غمغمت المرأة وهى تهز رأسها وتخرج : " جائز ستعشيك ! ". لم يفهم عليثة شيئا مما غمغمت به العجوز ، لكنه بعد أن أغلق الباب إشتم فعلا رائحة طعام يطهو فتعجب ، وتساءل : " لابد أن هذه الرائحة الطيبة صادرة من مطبخ الجيران وحركها الهواء ناحية بيته ؟! " . مصمص شفتيه وهو يقول متلمظا : " يابختهم ياهناهم ! ". ثم تحرك ليصعد إلى غرفة نومه ، لكن رائحة الطبيخ عبأت خياشيمه عند مروره قرب المطبخ ، فعرج داخله ليتأكد من أن نافذة المطبخ مغلقة ، لكن النافذة كانت مغلقة حقا و بدلا من ذلك ، رأى على النار المتقدة قدرا (طنجرة) يتسرب البخار من تحت غطائه ، أسرع عليثة إلى القدر فكشفه فتصاعد منه البخار المشبع برائحة الإدام والبهار ، فقد كان القدر يحتوي على طبخة كبسة لحم معتبرة .. ناضجة طازجة لأكلها راغبة ! من طيبة قلب عليثة وسلامة طويته ، ومن قرصات الجوع الكافرة التي كانت تمغص معدته ، أفرغ لنفسه كمية كبيرة من كبسة اللحم اللذيذة التي إفتقدها منذ سنين ، وتعشى بها ثم رجع إلى المجلس وتناول فنجانين من القهوة ، ثم فك الوريقة ليقرأها : " (يمنى) الله .. إسم حلو ولطيف ، اللهم إجعلها من نصيبي ! " ـ هذا ما قاله عليثة لنفسه وهو يتأمل المكتوب بالورقة . ثم تناول الصرة وفك رباطها بحذر ، ثم قلبها لتسقط في يده شبكة العروس ، كانت الشبكة التي تركتها أمه مع العمة أم حنيش عبارة عن سلسال سميك من الذهب ، معلق به قلادة مستطيلة بها نقوشا عجيبة ، لم يستطع عليثة فهم رموز ورسوم القلادة لكنه إستطاع أن يميز بصعوبة كلمات باهتة ، فقد كان في وجه منها كلمتين الأولى يمنى والثانية بحرف الخاء (خ) لكن بقيتها مطموسة ، والوجه الآخر به كلمة يسرى يتبعها حرف الشين (ش) وبقيتها أيضا مشخوطة ! تعجب عليثة على حرفة حافر رموز هذه القلادة ، وتعجب أكثر من تحديده للوجه الأيمن والوجه الأيسر ، ولم يجد في رأسه تفسيرا يقنعه ، غير أن الحافر أراد بفذلكة غير مطلوبة ، أن ينبه من تقتني وتلبس هذه القلادة ، إلى أن لها وجهين وجها أيمنا ووجها أيسرا ! أسرع عليثة بالزواج من بنت عمه الذي لا يعرفه ولا يعرفها ، وكانت سرعته في إنجاز الزواج محصلة لحديث دار بينه وبين مدير البنك ، إذ إستدعاه المدير يوما ومازحه قائلا : " أصحيح ياعليثة أنك مخاوي ؟! ". لم يفهم عليثة معنى السؤال فأجاب بدهش : " مخاوي ، مخاوي من ؟! ". قال المدير وهو يضحك : " زملائك الملاعين يقولون أنك تعيش في بيت كبير لحالك ، وأنك لا تريد الزواج لأنك مخاوي ، يعني لك رفيقة من العالم الآخر ؟ ". قال عليثة بغضب ولكن بأدب : " لالا ليس صحيحا ما يقولونه ". المدير معقبا : " ويقولون عنك أنك غريب في تصرفاتك وتتجنب الكلام معهم ، يعني منعزل وغير مختلط ! ". قال عليثة ببساطة : " هذا صحيح ، فأنا إنسان بسيط وفي حالي ولا أحب هرج الشباب ومرجهم ، وللعلم أناعلى وشك الزواج من إحدى قريباتي ". المدير مندهشا : " كدة ، ألف مبروك ياعليثة ! ". وهكذا أسرع عليثة بالزواج من يمنى حتى يقطع ألسنة الملاعين ، ومن يشيعون عليه أقوالا بلا براهين ، وعاش معها في هدوء تام ، فقد كانت البنت ـ والشهادة لله ـ من النوع الهادي الصامت ، كلامها قليل وحركتها قليلة ومحدودة ، فلم يحدث بينهما أى إحتكاك أو حراك كما يحدث بين كل زوجين حديثي الزواج ! يمنى مطالبها نادرة أو ليس لها مطالب على الإطلاق ، وهو الآخر مطالبه محدودة أو ليس له مطالب ، ومن بساطة هذه العيشة صار كل منهما مشغولا بنفسه ، أى متزوجا وغير متزوج في آن واحد ، كانت تجمعهما أحيانا لحظات من المتعة الحميمية التي تتم بين الأزواج ، لكنها كانت لحظات قليلة وسريعة تشتعل وتنطفئ في دقائق ، مثل شط عودا من الثقاب بيد مرتعشة في جو عاصف ! مرت عدة سنوات على عليثة ويمنى دون أن ينجبا ، فلعب الفأر في عبهما ، وبعد هذه السنوات الثماني عرضا نفسيهما على الأطباء بالمركز الطبي الواقع في قاع البلدة ، قال الأطباء لهما بعد الفحص والتحليل ، كل منكما يحمل خللا لابد من علاجه إذا أردتم الإنجاب ، فالزوجة كانت قد أجرت عملية جراحية في صغرها لإستئصال الزائدة الدودية التي كانت قد إلتهبت ، وقد أثر الإلتهاب على مبيضها الأيمن وعطل عمله ، وأصبح التبويض لا يتم إلا عن طريق المبيض الأيسر ، الذي لا يثمر إلا بويضات هزيلة تقل عن الحجم الطبيعي ، ونصحوها بتعاطي (كورس) من الهرمونات تجعل هذه البويضات الضئيلة تسمن وتنتفخ وتصير جاهزة للتخصيب ! وعليثة هو الآخر أصيب في سنوات صغره بآلام مبرحة في مفصل فخذه الأيسر سبب له عرجا في المشى ، وقد قام أطباء العظام بإحتواء عظمة فخذه داخل المفصل حتى يحافظوا على كروية عظمة الفخذ ، وفي سبيل ذلك ركبوا له بعض الدعامات المعدنية ليظل المفصل في وضعه الطبيعي ، وقد تعرض عليثة قبل وبعد العملية إلى كم كبير من الأشعات ، منها أشعات إكس العادية وأشعات أخرى بالمسح الضوئي المشع ، وقد عاد عليثة إلى مشيته الطبيعية في سن السابعة ، لكن جسده كان قد إختزن من هذه الأشعات آثارا ، أظهرت عليه بعد ذلك ظواهرا لم تكن لديه ، أو كانت مستكنة عنده لكن حفزتها الأشعة فنشطت وظهرت عليه ، وجعلته يقترب أو يحس بالظواهر االخارجية الغير محسوسة ، التي يطلق عليها العلماء الظواهر الميتافيزيقية ، لكن الأطباء لم يكتشفوا هذا بالطبع ، لأنهم وصفوا له علاجه بسيطا ، عبارة عن كورسا من الفيتامينات المركبة وجرعات من أقراص حامض الفوليك ، لتنشط حيواناته المنوية الضعيفة ! وبعد عدة شهور من العلاج حملت الزوجة ، لكن تصرفاتها إزدادت غرابة بعد الحمل ، فقد أصبحت تقوم ليلا من نومها وتنزل لتجلس في المجلس وحيدة ، كان عليثة في بعض الليالي يأرق أو توقظه أصوات تشبه الشجار ، صياح بين أصوات متباينة فيصحو فلا يجدها بجواره ، فكان يلقي بالغطاء من فوقه ويسرع بالبحث عنها ، كانت أنات الدرج الخشبيّ تسبق خطواته وهو يهرول هابطا في إتجاه المجلس ، فتنقطع الأصوات ويهدأ البيت ، حين يصل يضيئ نور المجلس بالضغط على مقبسه القريب من الباب ، فيفوجئ بها مكومة على الأرض وهيئتها مزرية ، كانت الأسئلة الجزعة تتدفق من فمه وعلامات التعجب تتتابع خارجة من نظراته ، لكن الأسئلة وعلامات التعجب لم تكن تلقى إجابة ، يرفعها بيده في حنان .. يحتضنها ويمسد ظهرها .. يمسح دموعها .. يقبل رأسها ثم برفق يسحبها نحو الدرج ليصعد بها إلى مخدعهما ! في بعض المرات ينزل في الليل للبحث عنها بعد أن يوقظه الصياح ، لم يكن يجدها ، يظل يبحث عنها وهو يدور في أرجاء البيت كالمجنون ، ثم فجأة يسمع أنات بكاءها صادرة من المجلس الذي كان قد طرقه أكثر من مرة ، فيتجه إليه ويشعل نوره ويجذبها من الأرض إلى صدره ، يعاود الأسئلة لا إجابة ، يتعجب فلا يلقى إفادة ، فيأخذها ويصعد وهو يضرب بينه وبين نفسه ، أخماسا حائرة في أسداسا ماكرة ، لا تعطي إجابة مثمرة ! عرض عليثة زوجته على أطباء المستوصف لعلهم يكتشفوا ما غميّ عليه ، فقالوا أن البنت سليمة وأن حملها طبيعي ، وأن ما يعتريها ماهو إلا دلائل (الوحم) الذي تكابد منه حوامل النساء ، ورغم أن البنت كتومة لأنها من النوع الذي لا يخرج ما في صدره ، إلا أنه حين كان يطالع في عينيها ، كان يجد فيهما صرخات مكبوتة تستنجد به ، لكن لسوء حظه أو لسوء حظها ، لم يكن يقدرعلى فك شفرات العيون ! صرحت له يوما على إستحياء إشتهائها لتناول قطعة من الفطر (عيش الغراب أو المشروم) ، كانت هذه أول مرة يسمع فيها عن هذا الشيئ ، ولما إستفسرها قالت أنها نبتة برية ضئيلة الحجم لها جذع صغير ورأس كالمظلة ، فبحث عنها في أسواق الخضر فلم يعثر ، لكنهم دلّوه على منطقة ينبت بها بعض هطول الأمطار ، وكان من الصدف أنها أمطرت لمدة ثلاث أيام في الشهر الفائت ، فأخذها معه يوم جمعة متوجهين صوب هذه البقعة التي تبعد عن القرية بنحو مئة كيلومترا ، ورغم أن السيارة توقفت لعطب في إطارها عالجه بتغيير الإطار ، إلا أنهما وصلا قبل الظهر بقليل ، أخذا يتجولان في هذا البر الفسيح إلى أن عثرا على بعض الشجيرات الصغيرة ، شاهرة أعناقها وسط الأرض المعشوشبة ، فكانت من فرحتها تهبط إلى الأرض وتقطف الشجيرة وتنفض عنها الغبار ثم تأكلها بتلذذ ، وكان هو يراقبها بتعجب في إستغراب وتقذذ ، ولما إنتهت قالت له في سعادة وإنشراح : " كفى شبعت ، خذني الآن إلى البيت ! ". أثناء رجوعه بالسيارة كان يلاحظ أنها مململة ، تتلوى في صمت ويدها فوق بطنها ، لكن وجهها كان مشاحا صوب زجاج السيارة البعيد فلم يستطع رؤية إنفعالاتها ، ومع هذا سألها : " ما بكي يايمنى ؟ ". قالت تطمئنه : " مابي شيئ ، مغص بسيط وسيزول ! ". لكن بعد أن قطع نصف المسافة إشتد عليها المغص ، فزاد تقلصها وتشنجها وهذيانها ، سألها هذه المرة بجزع وهو يضغط بكل قوته على دواسة البنزين ليسرع السيارة : " بماذا تشعرين يابنت الحلال ، أخبريني الله يهديكي ؟ ". لم ترد عليه ، لكن آهاتها وأنينها وحركاتها العنيفة كانت أبلغ من الكلام ! ولسوء الحظ أيضا تعطلت السيارة مرة أخرى وتوقفت عن المسير ، نزل يطالع في المحرك المتوقف فلم يجد به شيئا ، وكانت بين حين وآخر تمر به بعض السيارات المسرعة ، فيشير إليها وهو يصرخ مستنجدا ، لكن إشاراته وصرخاته لم تجد عند الناس صدى ، حاول مرات ومرات أن يشغل السيارة وهو يدعو ربه ، فهو وحده العالم بالطارئ الذي ألم بهما ، وأخيرا وبعد مرور ساعات مريرة دارت السيارة ، فإنطلق بها وهو يزفر زفرا ! حين ولج عليثة بسيارته البلدة إتجه مباشرة إلى أحد المستوصفات ، ترك السيارة دائرة وجرى نحو بابه يستنجد بالموجودين ، حضر من الداخل على عجل بعضا من الرجال تبعهما ممرضتين أجنبيتين بلباس أبيض ، إمتدت الأيادي إلى الباب وفتحته ، ثم جذبا البنت من مقعدها ، حملها رجلان ، أحدهما كان يمسك برجليها والآخر كان يرفعها من تحت إبطيها ، وكانت الممرضتان ينحنيان عليها ويرطنا بلغتهما كلاما غير مفهوم ! كان عليثة ينظر إليهم نظرة المغشي عليه من الموت ، حين بدأوا يتحركون بها نحوالداخل رآها ، كانت أشبه بسمكة ميتة ألقتها أمواج البحر إلى الشط ، سمكة بلا روح ، سمكة رخوة بعينان جاحظتان ، وفم يسيل منه زبدا أبيضا ! أصبح عليثة بعد رحيل زوجته فارغ الفؤاد حزينا ومهجوسا ، وعاد ثانية إلى خلائه ، وصار كما قال (إيليا أبو ماضي) : " يسيرفي الروض الأغن فلا ترى عيناه غير الشوك في أرجائه ويحار .. بين مجيئه وذهـابه ويحار .. بين أمامه وورائه إن نام لم ترقد هواجس روحه وإذا إستفاق رأيته كالـتائه ! ". قضى عليثة شهورا مفزعة في وحدته غير مصدقا أو مستوعبا ماحدث ، كانت تؤرقه أوهاما كثيرة حين يكون في وحدته بالبيت ، هذا الأرق سبب له إستنفارا لحواسه فجعله ينام على سريره كالوتر المشدود ، كان يهب منتفضا حين يسمع نحيب بكائها يتدفق في أذنيه ، فيهرول مسرعا على الدرج وهو يصيح : " يمنى ، يمنى ، أين أنتي ؟! ". لكنه حين يدلف إلى المجلس كان يجده خاويا ! وإستمر على هذا الحال شهورا إلى أن دقت بابه ذات مساء ودخلت مسرعة دون أن تستئذنه ، ثم قالت قبل أن تجلس : " أراك ياولدي قد حملت هموم الدنيا كلها فوق رأسك ، وتريد أن تقضي دونما سبب جوهري ، أمن أجل عابرة سبيل جاءت ورحلت وكلنا على ذي الحال ، تفعل في نفسك هكذا وتبتئس على ماليس لك به علم ؟ ". أجابها بإنكسار وهو منكس الرأس : " الفرقة صعبة علىّ ياعمتي وخاصة أنها كانت تحمل جنيني ! ". قالت بلا مبالاة وهى تجلس : " حلها بسيط ، فأنت مازلت شابا وتملك القدرة ، فداوها بذات الداء ! ". قال : " بذات الداء كيف ياعمة ؟ ". قالت بسرعة وبحسم : " أعني لا تضيع عمرك على مافات ، فلا أنت أول ولا آخر من ترمل ، تزوج ياعليثة ثانية ولا تبكي على اللبن المهراق ! ". عليثة بعجب : " أتزوج ثانية ؟! ". قالت مؤكدة : " نعم ثانية ، بل ثالثة ورابعة ، ألا يبيح شرعكم هذا ؟ ". سألها بعجز واضح : " وأنىّ لي أن أفعل وقد .. ". قالت مقاطعة : " محلولة ياولدي ، العروس موجودة ، بنت تشبه الخالق الناطق يمنى في الجمال والطول والعرض ، أرملة تركها زوجها وهى في عز شبابها ، ومثلك ياعليثة مقطوعة ووحدانية وليس لها من يرعاها ، وفوق ذلك البنت ملاحظتك ومراقبتك وتعلم كل شيئ عنك ـ متلمظة وهى ترفع حاجبها ـ وهى تريدك ياحبيبي وتتمنى الإرتباط بك ! ". في دهش : " تعرفني وتريدني وتتمنى الإرتباط بي ؟ ". أم حنيش مبتسمة : " نعم فهى تسكن وحدها في آخر حارتكم يعني جارتكم ، وكانت تضع عينها عليك منذ سنوات ! ". عليثة مستنجدا بمشورتها : " أترين هذا حلا لمشكلتي ياعمة ؟ ". قالت : " بكل تأكيد ، فالبنت تريد الستر ليس إلا ، لا تطلب مهرا ولا شبكة ، وإن كنت أرى أنا أن هذا غير مناسبا ، أعطها هدية أمك ياعليثة قبل أن تعقد عليها والسلام ". ثم نهضت واقفة وهى تقول دعني أرتب لك الموضوع ، هه أقعد بالعافية ". أراد أن يقوم وراءها لكنها أوقفته قائلة : " خليك محلك ياعليثة أنا أعرف طريقي ". وفعلا لم ينهض عليثة من جلسته إلا بعد سماعه خبطة باب البيت ، إتجه إلى المطبخ وهو غارق في أفكاره التي ترتبت على زيارة العجوز ، ومن نظرة عابرة إلى باب الخروج تجمد في مكانه وهو يتعجب مما رأى ، فسأل نفسه : " كيف خرجت أم حنيش من باب البيت والسكاك (الترباس) مازال في مكانه كما دسه بعد دخولها ؟! ". تزوج عليثة من جارته الأرملة الشابة التي كانت تضع عينها عليه ، فتاة شابة تشبه ملامحها إلى حد كبير زوجته الأولى ، لكن هذه أكثر عنفوانا من سابقتها ، هذه حركية لا تهجع ، عصبية لا تخضع ، أكولة لا تشبع ، شبقة لا تقنع ! في شهورها الأولى كانت هادئة ومطيعة سحرته بدماثة خلقها ، وجعلته لا يندم على فراق زوجته الأولى ، فقضى شهورا هانئة و سعيدة إلى أن حملت منه حملا طبيعيا ، فإنقلب الحال ، أصبحت عصبية إلى حد العدوان ، ونهمة إلى حد الإدمان ، وبطئت حركتها وبدأت تتجنب رؤيته في أى مكان ! عزى عليثة هذا لظروف الحمل والتغيرات الهرمونية التي تحدث عند النساء ، فأخذ يتجنبها هو الآخر ويتحلى بضبط النفس ويتعلق بحبال الصبر ، من أجل وليده الذي ينمو في رحمها ! فمن طبيعة عليثة أنه يجنح إلى العيش ـ كما خلق الله ـ في هدوء وسلام ، يتجنب الإشتباك مع الغير في أى موضوع ، حتى لا يتطور النقاش إلى عراك ، لكن العالم المحيط به لا يرضى بهذا ، ولا يرغب في عزوفه ! ففي ثورة من ثورات غضب زوجته لسبب تافه ، قذفته بملعقة تقليب الطعام الكبيرة ، إنطلقت الملعقة صوبه ونصلها موجه إليه ، كالرمح المقذوف من وتر قوس مشدود لآخره ، كان من الصعب على عليثة أن يتجنبه ، لكنه لم يجزع ولم يميل ليتفاداه ، وفي لمح البصر تقلصت ملامحه وإتسعت عيناه وتوجهت نظرات غريبة منه نحو الرمح ، قبل وصوله إلى هدفه بعدة أشبار ، توقف الرمح ( الملعقة) في الهواء ! كانت (يسرا) تتابع الرمح المنطلق نحوه بلا مبلاة ، بل بشيئ من الفرح ، لأن الغضب أعماها عن نتيجة فعلها ، فلما رأت المعلقة معلقة في الهواء أمام وجهه ، عادت إلى رشدها وإنفغر فاها دهشا وإستغرابا ، بل وندت عنها صرخة ، وإزداد عجبها وإستغرابها ، حين رأت الملعقة تلتوي وتتلوى كأن قبضة قوية من عملاق رعديد قد قبضت عليها ، وأخذت تبعجها كما تنبعج كرة العجين في يد العجان ، صارت الملعقة ككرة ملعقة تدور حول نفسها في الفضاء ، ثم فجأة تركتها يد العملاق فسقطت على الأرض تتدحرج وتجري ! " لم يقولوا لي أنك ساحرمقتدر ؟! " ـ قالتها في عجب وهى تترك المكان على عجل . يتذكر عليثة في صغره أنه تعرض لحادث وأصيب بعرج في إحدى رجليه ، وإنهم عالجوه بزرع حدايد في فخذه ، وإنه حين عاد إلى منزله بدأت تظهر عنده قدرات لم يكن يشعر بها ! هذه القدرات مكنته من فعل بعض الأشياء التي كان يتلهى بها صغيرا ، والتي تعتبر غير مألوفة أو خرقا للطبيعة ، وهو ما يعرف علميا بالتركيز الذهني (تلكنيزي) ! فقد إستطاع في البدء أن يؤثر على بعض الأشياء البسيطة كأدوات المائدة ، وذلك بالشعاع الخفيّ الخارج من نظرات عينيه ، والصادر بأوامر مركزة من مخه ، فكانت تتحرك على المائدة في تشكيلات يرغبها ، أو ترتفع إلى الهواء وتحوم مثل الفراشات ، إلى أن تدرج وحرك قطعا كبيرة من الأثاث من أماكنها ، أو إيقاف حركة دوران مروحة السقف التي كانت قد علقت بالمجلس ! وقد إستغل عليثة هذه القدرات في صباه ، في خلق شغب محبب إلى نفسه أثناء دراسته ، كأن يجعل قلم زميله يتحرك إلى زميل آخر ، أو كتاب يتحرك من أمام المدرس إلى مكان بعيد ، لكن أمه نصحته بالتوقف عن هذا ، وإخفاء هذه القدرة وإلا إتهموه بأنه ذو عين حارة (حاسد) فيصبح مكروها ومنبوذا من الناس ! ليس هذا فقط ، فحين بلغ مبلغ الرجال توسعت مقدرته وأصبح يتواصل أو يتلقى مشاغبات أخرى صادرة من عوالم مجهولة ، يسمع أصواتا أو ضحكات دون أن يكون هناك أحد ، أو صرير فتح أبواب أو غلقها ، أو قرقعات الأواني في المطبخ ، أو وقع أقدام ، أو حتى ثقل أجسام تهبط بجواره على السرير بأنفاس مسموعة ، لكن حين يفتح عينه لا يجد إلا الخواء ، وقد عود عليثة نفسه أو إعتادها بتكرارها ، ولم يعد يأبه أو يتأثر بها ! دخلت علاقة عليثة بزوجته مرحلة جديدة بعد حادث الملعقة ، إذ أصبحت تتحاشى لقاءه ، فإن صدف وتلاقا صدفة أسرعت بالإختفاء وإندست في أى ركن ! أخذ عليثة يتعجب من هذه الحياة التي أرغم عليها ، أو وجد نفسه محشورا فيها ، كحمامة وديعة حشرت في قفص مليئ بالغربان ! كان يتعجب من صنف النساء التي أوقعته قسمته ونصيبه فيهن ، ومع هذا قرر التحمل والإستمرار في هكذا حياة حتى لا ينحرم من جنينه القادم ، بل أقنع نفسه أن هذه المرأة حين تلد وترى في حضنها جنينها ، سوف تتغير ويختفي جنونها ! لهذا تركها لحالها في عزلتها ، ولم يحاول التطفل عليها ، لا يتطلب منها عذرا ولا يأكل من طهوها حذرا ، ولا حتى يرجوها الكف عن حرق بخورها القاسي الذي كان يؤذي شمه ويدمعه ، فقد كانت لا تكف عن غمر البيت بغلالة كثيفة من الدخان ، برائحة غريبة تشبه رائحة حريق إطارات السيارات ! ولم يطلب منها أيضا أن تبدل ملابسها الحزينة القاتمة ، أو عصابة رأسها البغيضة التي تشبة عصابة النوّر(الغجر) ، ولم يطلب منها أن توقف أو تخفض من عواء تمائم أدعيتها الرتيبة الرهيبة ، التي ليس لها معنا يفهمه ، والتي تضجرة بها كل ليلة وتجلب له التشاؤم والقنوط ! في مرة وحيدة قرر أن يطلب بعضا من هذه المطاليب ، كزوج أو شريك في البيت له حقوق لابد أن تراعى ، بعد أن كاد أن يختنق من رائحة البخور التي تصعد بطبيعتها كمادة غازية إلى أعلى ، فنزل إلي المجلس ليجابهها لكنه فوجئ أنها كانت مستعدة للحظة المجابهة ! كانت تجلس وسط المجلس وأمامها مبخرة البخور التي يتصاعد منها الدخان الأزرق ، وكان بجوارها يد الهاون النحاسية (إناء الطحن بالدق) ، فلما رأته أسرعت بالإمساك بها ووجهتها إلى بطنها وهى تصيح فيه مهددة : " لا تقترب مني ، إبتعد عني ، قسما لو فعلت لخبطت جنينك بيد الهاون وقتلته في الحال ! ". فكان أن تلاشى من أمامها خسفا ، وعاد لغرفته غضبان أسفا ! ورغم إبتعاده التام عنها ، إلا أن أذاها لم يبتعد عنه ، ذلك أنه كان يصحو في بعض الليالي على هسيس نفسها ليجدها تقف فوق رأسه ، وحين يفتح عينه الناعسة تسرع بإخفاء يدها خلف ظهرها ، وكأنها لا تريده أن يرى ما بها ، ثم تتحرك إلى الباب ببطئ دون أن تبدي عذرا ! وضبطها مرة وهى تمد كلتا يديها نحو عنقه ، لكنها حولت يديها إلى غطائه وسحبته فوقه ثم إنصرفت ! وأخرى حين إنخلعت إحدى درجات السلم الخشبي وسقط فوق الدرج دون إصابة ، ولما فحص الدرجة علم أنها عبثت عمدا ! ورغم أن للصبر حدود كما يقولون ، إلا أن صبر عليثة كان بلا حدود ، فكان يتجاوز عن كل شغب ، بلا كلل أو ملل أو تعب ، آملا أن الفرج قد إقترب ! لكن يبدو أن هذه الأحداث قد أثرت على عقله الباطن ـ كان هذا تحليله ـ لأن ذلك إنعكس على أحلامه ، فقد أقلقه أن يرى حلما يتكرر بطله الرجل القصير ذو الجلباب القصير واللحية البيضاء الطويلة ، الرجل الذي يدعو الناس للتبرع لمنظمة إسلامية ، ويقف قريبا من البنك الذي يعمل به ، هذا الشايب يصيح عليه ويشير إليه قائلا : " يا باغيّ الخير اقتل .. ياباغيّ الخير اقتل .. اقتل .. (بدلا من اقبل) ! ". فاجأت يسرا زوجها عليثة في شهر حملها الثامن بتغيرات جد أسعدته ، وجعلت صدره ينشرح إذ تحققت توقعاته التي كان متأملا بها ! فقد أقبلت عليه وغيرت من أسلوبها العدواني الجاف ، وأظهرت حسن ماكان مخفيا في شخصيتها ، أظهرت الكلام اللين والخلق الطيب والطاعة المحببة لدى كل الأزواج ، قابل عليثة إحسانها بإحسان ، وإقبالها بإقبال وطاعتها بطاعة تفوقها في الحسبان ! إلى أن جاء يوم ونسبت ضيق صدرها لحبستها بالبيت ، ورجته أن يأخذها للتمشية (الفسحة) إلى أى مكان مبهج ، قبل أن تنشغل بولادة وليدهما ، فوافقها على الفور ، وأخذ يعمل رأسه في مكان مبهج يأخذها فيه ليذهب عنها الضجر ! وكأنها كانت تقرأ أفكاره وعرفت حيرته فإقترحت عليه ، أن يأخذها إلى منطقة العلا وإلى برها الفسيح وإلى جبلها العالي المسمى ب (أم درج) ! تعجب عليثة لطلبها هذا فصاح : " العلا ، أم درج ، هذه أول مرة أسمع بهذه الأسماء ، وحتى إن كانت موجودة فعلا ، فأنا لا أعرف الطريق إليها ! ". قالت تطمئنه : " ماعليك ، أنا أعرف المكان وسأدلك على الطريق ، لأني زرتهما أكثر من مرة ! ". في اليوم الذي إتفقا عليه أخذا زادهما وزوادهما ، وإنطلقا صوب الشمال على الطريق المحاذي للبحر ، وكانت الرحلة طويلة تستغرق ساعات وساعات ، لكنهما كانا يتوقفا ليتناولا بعضا من المأكولات والأشربة التي جلباها معهما ، وإنتهى الطريق الساحليّ عند قرية بدر ، ودخلا في طريق آخر يؤدي إلى المدينة المنورة ، ثم صعدا شمالا إلى منطقة خيبر ، بعدها توجها إلى منطقة العلا ! حين وصلا رفع عليثة بصره عاليا وهو يقول : " ياله من جبل عالي ! ". أجابته بسرعة : " هيا لا تضيع الوقت ، دعنا نصعد على هذه الدرجات المنحوتة ! ". قال بخشية الحاذر : " إنه عال يايسرا وأخاف أن تنزلق قدمك أو يصيبك مكروه ؟ ". أجابت وهى ترتقي الدرجات بخفة : " لا تخش علىّ ، فليست هذه أول مرة أرتقيه ! ". فبدأ يتبعها عن قرب وهو لا يتوقف عن تحذيرها من كسرة درج أو نتوء صخرة ، بل يرجوها أحيانا التوقف لإلتقاط الأنفاس خشية عليها وعلى مافي بطنها ، لكن البنت كانت تصعد على الدرج ، بهمة عملاق وفرحة مشتاق قد عزه اللقاء والعناق ، إلى أن وصلا إلى القمة ! على قمة الجبل أخذ عليثة يتأمل التلال الأثرية ، التي تنتشر عليها أجزاء من تماثيل غريبة وأخرى لألواح عليها نقوشا عجيبة ، أغلب التماثيل مهشمة ، لكن بقى منها بعض الرؤوس أو الأبدان أو أجزاء من أقدام ، قال عليثة لنفسه وهو يتأمل مايراه " لابد إن هذه المنطقة كانت تخص أقواما وثنية فنيت ! " ، فعقبت عليه البنت التي كانت بعيدة عنه وكانت تتقافز من السعادة : " أصبت ياعليثة في تساؤلك ! ". في الوقت الذي تحرك عليثة صوب فجوتين كبيرتين منحوتتين ، يمثلان خزانين كبيرين لمياه الأمطار ! في الوقت الذي إبتعدت هى في الإتجاه المعاكس صوب التماثيل ، أخذ عليثة يستطلع الخزانين المحفورين من قمة الجبل إلى قاعه على هيئة قمع ، ويتعجب من مقدرة من حفروا هذه البؤر العجيبة حتى يخزنوا الماء داخلها ، ثم إتخذ لنفسه مقعدا على حافة أحدهما وأخذ يتلهى بالنظر إلى الماء المحبوس ، لأنه تهيأ له أنه رأى في الماء حركة لأجساما داكنة ، تشبه الأسماك تعوم تحت سطح الماء الراكد الداكن ! لكن تأملاته هذه أوقفتها أصوات عواء زوجته التي يعرفها حين تتلو تمائمها ، فقام متجها إليها لأنه رآها قد أشعلت البخور عند رأس الصنم الكبير ، وكانت تعوي وهى تهتز للأمام والخلف قائلة : " ياغيبة ياغيبة ، لك العظمة والهيبة ! " . إستشاط عليثة غضبا وجذبها من كتفها بقوة وهو يوبخها قائلا : " ماهذا يابنت ، أتشعلين البخور وتقدمين النذور لصنم أصم ، إنه والله تقليدا للوثنيين ، إنهضي وقومي وإستغفري لربك وإلا كفرتي ! ". تحولت نظرات البنت فجأة من الوداعة إلى الشيطنة ، وعادت إلى سحنتها القديمة ثانية ، السحنة التي تمتلئ بتقاسيم الغضب والبغض والعنف والفرعنة ، ضربت يده الممسكة بها بقوة وهى تنهض موجهة إليه كل قبيح من الشتائم ، ثم فوجئ بها ترطمه بقطعة حجر تشبه القدم على رأسه فتشجها ، فلما تحسس رأسه لطمها بيده التي تلوثت بدم رأسه المشجوجة ، هجمت عليه وعضت يده بأسنانها ثم إلتحما في عراك عنيف ، سقطا على أثره إلى الأرض القاسية التي يغطيها التراب والحصى ! ورغم شراستها في الضرب ورغم جروحه البليغة ، إلا أنه كان يحاول بما أوتى من قوة أن يصدها ويهدئها حتى لا تفقد جنينها ، لكنها تمادت وتمادى وأخذا يتقلبان على خشونة الأرض إلى أن وصلا إلى حافة أحد الخزانين ، ويبدو أنه فهم أنها كانت تريد جرفه إلى الحافة وقذفة في الخزان ، فإستمات في الدفاع عن نفسه والزحف بعيدا عن الفوهة ، لكن البنت كانت مصممة على فعلتها لأنها كانت تدفعه نحو الفوهة بعد كل ضربة حجر ، فما كان منه إلا أن دفعها بقوة بعيدا عنه ليتخلص من قبضتها وسطوتها ، فسقطت من فوقه وتدحرجت خلفه في دورات ، أدت إلى إنزلاقها من الحافة إلى عمق الخزان وهى تصرخ وتولول ! حين نظر إليها من أعلى أخذت تصرخ به وتستنجد وهى تغوص وتطفو على سطح الماء ! وكان الماء ...ا الماء الذي كان راكدا وداكنا ، قد صارهائجا ومائجا ، يدور ويلف بعنف حول نفسه كالدوامة ، يعلو ويهبط يلعق بألسنته العديدة جدران الخزان في غضب ! أخذ عليثة يصرخ عليها في هستيرية ويرجوها المقاومة ، ثم جرى بعيدا يبحث عن عمودا أو سلكا أو حبلا أو أى شيئ يقذفه إليها لينقذها ! عليثة إبن الصياد إبن الربان إبن النوخذة الذي كان يجوب البحار ، لا يعرف ـ للأسف الشديد ـ السباحة وكان ينفر من صغره من ولوج البحر ! حين عثر على قطعة من الخشب أسرع إلى الخزان وألقاها إليها وهو يصرخ : " تعلقي بالخشبة يايسرى وتماسكي أرجوكي حتى آتي بالنجدة ! ". حضرت معه شرطة قرية العلا بعد أن قص عليهم القصص ، وإنتشر الرجال على سطح الجبل يدققون ويتحققون ، وألقى فريق الدفاع المدنيّ بحبالهم إلى الخزان وأسرع غواصيهم بالنزول ! الموجودون على السطح لم يجدوا آية آثار تدل على حرق البخور ، والصاعدون من الخزان لم يعثروا إلا على خشبة طافية فوق سطح المياه الراكدة الداكنة ! حجزت الشرطة عليثة بالقسم عدة أسابيع على ذمة التحقيق بعد أخذ إفادته ، قاموا خلالها بتحريات عدة في جهات متفرقة ، كان أبرز ثلاث إفادات وردت إليهم ، هى ، من مدير البنك الذي يعمل به ، ومن المأذون الشرعي لقريته ، ومن ملجأ الأيتام الذي ذكره في إفادته ! إفادة المدير تقول " أنه موظف أمين ومخلص في عمله ، لكنه إنطوائي ومبهم ، وحياته تكتنفها الغموض ! ". وإفادة المأذون تقول : " لا أعلم عن إسم الشخص المذكور أى شيئ ، ولم يحدث في أى يوم من الأيام أن عقدت قرانه على أى أنثى ! ". وإفادة ملجأ الأيتام تقول : " لا نعلم أن يتيمة تربت عندنا كانت تسمى بإسم يمنى ، ولم يتزوج أحدا من هذه القرية بالذات بأى فتاة من ملجأنا ! ". وبناءا على هذه المعطيات بجانب أنه لم يعثر على جسم الجريمة (الجثة) ، فلقد قررت الشرطة الإفراج عنه بضمان وظيفته ، وقد أوقعوه على تعهدا بعدم الإقتراب مرة أخرى من هذا الجبل ، بعد أن شرح له رجل الحسبة ومندوب هيئة الأمر بالمعروف ، سبب تعهده قائلا : " إن زيارة هذه الأماكن الملعونة محظورة ، لأنها تحمل آثار عبادات وثنية كانت تقوم بها أقواما بائدة من اللحيانيين ، لإله لهم يسمى (ذو غيبة) ، وذلك قبل ظهور الإسلام بعهود طويلة ! ". أثناء عودة عليثة بسيارته كان الطريق مظلما وخطرا ، وذلك بسبب هبوب الرياح الموسمية المحملة بالرمال والغبار ، فقاد سيارته ببطئ حتى وصل ديرته متأخرا عدة ساعات ! وحين عاد إلى عمله صباح اليوم التالي ، قابله المدير بوجه عبوس وأسلوب غير مريح ، وبعد أن إستمع على مضض لقصته ، علق بصبر نافذ : " يبدو أن كل من يقترب منك يذهب بلا عودة ، ماعليه ، لقد قررت نقلك إلى خدمة العملاء ، وعينت مكانك صرافا جامعيا مؤهلا ، هو إبن عم فيصل زميلك ، المهم إذهب إلى عملك الآن وفي نهاية اليوم سلمني عهدتك ، ومن أول الأسبوع القادم إجلس بالخارج بجوار شودري الهندي ! ". حزينا ومشوشا توجه إلى مقعده خلف النافذة وبدأ العمل ، حين بدأ العملاء يتقاطرون ، أخذ يراجع أوراقهم ثم يوقعها ويختمها ويقبض أو يصرف ، وحين إنهمك في دورة العمل التي تحتاج تركيزا قويا ، زالت عنه غمته ونسى همومه وسر وأنشرح ! بعد نهاية اليوم الأخير له كصراف ، أخذ يرتب أوراقه ويراجع حساباته ، ثم سحب الدرج الخشبيّ ليخرج النقود الورقية التي جمعها ، حتى يعيد عدها وتصنيفها وربط كل فئة منها بالإلاستك المغاط كالعادة ! خرج الدرج سهلا في يده لكنه لعجبه كان .. خاويا ، مكث عليثة برهة ينظر إلى الدرج الخالي بإبتسامة بلهاء إرتسمت على فمه ، فقد كان غير مصدقا مايراه ، ورغم ذلك كان عقله يصرخ بهلع " أين النقوووووووووووووود ؟!!! ". إنتفض عليثة من مكانه كمن لدغه عقرب ، وأخذ يحرك الأشياء ويقلب الملفات و الأوراق ثم هبط إلى الأرض يتلفت تحت المكتب وتحت الكرسي ويقلب في علبة القمامة دون جدوى ! والنتيجة أنه لم يعثر على شيئ ، وكأن الأرض إنشقت وإبتلعت غلة اليوم من النقود ، ولما يئس أسرع إلى المدير يخبره بما حدث ، صاح المدير في وجهه غاضبا : " ماذا تعني بأن الفلوس قد إختفت ، أتتهم أحدا من زملائك بأخذها ؟! ". قال وهو يهز رأسه : " لا أتهم أحد لأني لم أغادر مكاني ! ". • : " إذا أين ذهبت النقود ؟! ". • : " لا أدري ! ". • : " هل بحثت عنها جيدا ؟ ". • : " مرات عدة ". • : " إسمع ياعليثة ، أنا لا أريد شوشرة بالبنك ، سوف أعطيك مهلة حتى نهاية الأسبوع القادم لتحضر النقود ، وإلا أبلغت إدارة البنك والشرطة ، ولولا معرفتي بأمانتك ما كنت خاطرت وطرحت هذا الحل ! " ـ هذا ما قاله المدير بعد لحظة تفكير ، وهو يعدل من وضع شماغه . إشتدت العاصفة الترابية عنفا فإسودت الدنيا وضعفت الرؤية في عز النهار ، كانت الأعمدة تهتز والنوافذ والأبواب ترتج ، فأغلقت المحلات أبوابها والبيوت نوافذها ، وقلت حركة السيارات والمارة في شوارع القرية ! كان عليثة راجعا إلى بيته يسوق سيارته على مهل وأنوارها مضاءة ، وكان الغبار الدقيق يلصق بزجاج السيارة فيزيده إعتاما ، وكانت أوراق الصحف وكراتين الخضار وأكياس التعبئة وأوراق الأشجار ، تتطاير مع زوابع الريح في حركات بهلوانية أروع من الحركات ، التي يقوم بها بهلوانات السيرك أمام كم من الأطفال المشدوهين ! أسرع عليثة بدخول بيته هربا من زوابع الغبار ، كان يشعر ككل الناس بالإختناق وصعوبة في التنفس من هذا الهواء الملوث ، كان من الصعب الهرب من الغبار لأنه كان يتسرب من فتحات دقيقة غير معلومة بشقوق البيوت ، إستنشاق هواء محمل بذرات التراب يجعل الصدر ضيقا حرجا كأنك تتصعد إلى السماء ، يزداد قلقك وتظهر عصبيتك ويعمك زهق وضيق ! قضى عليثة ساعات متواصلة في مكان واحد ، جثته كانت متكئة على (تكاية) المجلس ، وعقله كان شاردا يستعرض رحلة حياته كلها وما حدث فيها ، لم يلحظ أن البيت صار غارقا في الظلمة ، فلقد أحاطته حلكة الظلام من خارجه ومن داخله ! دقات متواصلة أزعجته وأخرجته من رحلة ذهوله ، قام متجها إلى الباب مؤملا أن تكون أم حنيش هى من تدق بابه ، لكنه لم يجد أحدا ، وظلت الدقدقات المتواصلة تقرع أذنيه فأقلقته وعصبته ، صار يدخل غرفة وراء أخرى بحثا عن مصدر هذه الدقدقات ، كل النوافذ في الدور الأرضي والذي يليه كانت مغلقة بإحكام ، لم يبق إلى السطح فصعد متجها إليه ، فتح باب السطح فهاجمته زمجرة الرياح العاصفة الغاضبة فأوقفته ، لكنه لاحظ في هذه الظلمة الهوجاء أن سقف (عشة) الدجاج ، التي كانت تستخدمها أمه في تربية الدواجن هى مصدر الدقدقات ! حين أراد العودة داست قدمه شيئ لين ، صرخ الشيئ (نااااو) وخربش رجله وقفز إلى الظلمة ، إعتقد أنها قطة سوداء كانت راقدة دعسها فعضته وهربت ، لكن بعد هروبها سمع صدى قهقهات آدمية تصفق أذنيه ! في المطبخ عالج عليثة جروح خربشات القطة السوداء ، ثم إنهمك في تجهيز عشاءه بسمكة أطول من كفه بقليل ، أذابها ثم نظفها وقطعها نصفين وأملحها ، وحين حميّ الزيت على النار أسقطها وأخذ يقلبها بين حين وآخر ، حين إستوت وضعها في طبق ، ثم أطفأ شعلة النار وذهب إلى المجلس ليتعشى ! رغم أن عليثة لا يحب الإستحمام في البحر أوركوبه ، إلا أنه تربى على حب أكل أسماك البحار ، يحب لحم أسماك (الناقل والهامور والشعري والتونة والكشر والبياض والحريد) ! حين ينهمك في أكل السمك ينسى تماما ما حوله ـ كما هو الآن ـ ينسى زمجرة الرياح وقرقعات السطح وذرات الغبار الخانقة ، وطقطقات المطبخ التي أصبحت زاعقة ! " حقا أصبحت الطقطقات والفرقعات الصادرة من المطبخ زاعقة ، إيش الحكاية ؟! " ـ هذا ما قاله لنفسه حين إنتبه وتوقف عن الأكل ونهض ليرى ماذا يحدث . قبل أن يقترب من المطبخ رآها ، إنها نارا حامية ! . ندت منه صرخة ألم وهو يصيح بأعلى صوته " حرييييق ! ". في هذه اللحظة لطمه تيار هوائيّ بارد من خلف ظهره ، كأن شاحنة كبيرة مرت مسرعة خلفة ، فجعلت جسده يقشعر ، وينتفض شعر رأسه واقفا كالمسامير ! تمالك نفسه وحاول أن يندفع إلى المطبخ ، لكن النار أوقفته ، كانت قد أمسكت بكل شيئ ، وكانت حرارتها اللافحة تمنع الإقتراب ، وكان الدخان الأزرق يتجمع كالسحب الكثيفة في حلقات متداخلة قرب السقف ! كان منظر النيران رهيبا وهى تلتهم محتويات المطبخ ، لم يكن عليثة مؤهلا لمجابهة حريق ، فوقف مسلوب الإرادة يتفرج على هذا (المارج من نار) وهو يبتلع كل شيئ ، حاول المارج الأحمر الخروج إلى باقي البيت بعد أن أتى على المطبخ ، لكن عليثة المستنفر والتي كانت نظراته قد صارت غاضبة ثاقبة .. أوقفته .. ظل عليثة مسلطا نظراته بقوة على المارج دون أن يرف له جفن ، فبدأ المارج يتراجع ويتلملم وينكمش ويصغر ويذوى ويتضاءل ويتلاشى ، إلى أن فنى .. حين خبت النيران كان كل جسد عليثة قد صار منهكا ، عقله وعظامه وعضلاته وأعصابه ودماؤه كلها أرهقت تماما ، ولم يعد يقوى على الوقوف ، إنهار على الأرض يبكي ويرتجف ، وأخذ جسده يفرز أنهارا من العرق الغزير ! بعد ساعات أفاق وبما تبقى من قوته أخذ يزحف ببطئ على الأرض نحو المجلس ، أراح جسده على الحشية ثم نام أو أغشىّ عليه ، لم يدري كم من الوقت مضى عليه راقدا هكذا في هذه (الليلة الرهيبة) ! سمع صوت عمته أم حنيش تنادي عليه : " عليثة ياعليثة ؟ ". أجابها بصوت مخنوق : " نعم ياعمة ". قالت بحنان بالغ : " معليش ياولدي .. لن تنجو من قدر محتوم ! ". • : " قدرمحتوم ! .. لا أفهم شيئا ياعمة ؟! ". • : " ياولدي هذه حكاية طويلة ، بدأت في زمن قديم وتنتهي عندك ، لأنك أنت (اللاقح الموسوم) ! ". • : " زدتها غموضا ياعمة ؟! ". • : " إسمعني زين ياعليثة ولا تحزن ، فنحن نساء قوم فنوا نعيش في الجزيرة الصغيرة المهجورة أمام قريتكم منذ عهود ، ونحن لا نظهر إلا في حلكة الليل البهيم ، وأحيانا نجتمع في أماكن عدة ، ولعلك تذكر (الحلقة) التي كانت تجمعنا مع أمك لأنها واحدة منا تزوجها أباك ، وهؤلاء القوم موعودون بالبعث إن إنولد لهم غلام من أم منا وأب منكم ذو خوارق ، وهذا الأب (الموسوم) أو اللاقح له دلالات وعلامات مدونة بألواحنا ، وكنا على مر العهود والدهور نرصد مجيئه ونراقب ظهوره ، إلى أن ولدت أنت وظهرت خوارقك ، فعرفنا أنك اللاقح الموسوم ، والنبوءة تقول : ( أن البنت إذا تلقحت وتأكدت من حملها .. فعليها أن تقتل بيدها بعلها ! ) ، كما تفعل ملكات النحل ، وأنت سيد العارفين ! وكان عندي إبنتان هما يمنى ويسرى ، فوضعناهما في طريقك ، أما يمنى فلأنها خيرة .. أحبتك ورفضت قتلك ، فقتلناها بالفطر المسموم ، عطلنا سيارتك حتى تشتد حرارة الشمس ، فيهبط الفطر الجيد إلى عمق التربة ولا يبقى إلا الفطر المسموم ، وعطلنا سيارتك في العودة حتى يسري السم في بدنها وتموت ، عقابا لها على مخالفة شريعتنا ! أما يسرى فصيح أنها شريرة لكنها محافظة على عهودنا ، وقد حاولت قتلك مرات ومرات ، لكنها لم تنجح ، ولهذا أنقذناها من الغرق حتى تكمل مهمتها ، فمعليش ياولدي ، هذا هو قدرك المحتوم ، وإلى أين ستهرب منه أو منها ؟! " . تلاشت صورة أم حنيش وحلت محلها صورة يسرى تهمس : " عليثة ياحبيبي ، أعطني الآن قبلة الوداع " ، ثم ركبت فوقه ومالت عليه لتقبله ! ورغم أن عليثة كانت كل قواه خائرة ، وكانت عضلاته رخوة وواهنة ، إلا أنه رفض قبلتها وأخذ يصارعها ويلطمها في مواضع عدة وهو يصرخ : " إبعدي ، إبعدي عني ياشريرة ياملعونة ، إبعدي .. إبعدي .. إبعديييييي .. " ! تنبهت حواس عليثة وفتح عينيه ، وجد نفسه مازال راقدا على حشية المجلس ، عرف أنه كان يحلم وأن الحلم كان كابوسا مرعبا ، نتيجة تأثر عقله الباطن بأحداث الليلة الرهيبة التي مرت به ، أدار وجهه إلى الجانب الأيسر وتفل ثلاث مرات وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، كما تعلم ! نهض وأضاء النور وأخذ يمسح على جبهته المعرقة ، أراد أن يرجع ثانية إلى فرشته ، قبل أن يجلس لمح بريق القلادة الذهبية ، القلادة التي كانت ترتديها يسرا حين ذهبا لرحلتهما ، كانت القلادة ملقاة بجانب حشيتة وسلسالها منفرط ، أخذها في يده وأخذ يتأملها بعمق ، راحت أفكاره تدوروتدور ، مثل دوامة الماء في الخزان ، ألسنة المياه التي كانت تدور بعنف ، صارت تلحس جوانب عقله إلى أن إلتحس ، فأخذت عينيه الزائغتان تدوران في محجريها ببطئ ، تتحرك كعقارب الساعة ، أحس أنه عقرب صغير يدور ، وأن هناك عقربا آخرا أكبر منه يتبعه ، يلاحقه ، يريد الإنقضاض عليه ، والقضاء عليه ! فإلى أين الفرار ؟ وعقارب الساعة محاطة بالإطار ، والعقربان يجمعهما نفس المسمار ! .. لا مفر إذا (كما قيل له) مما كتب في الأقدار ؟! صلى عليثة الفجر في مجلسه ، ثم بحث عن ملابس أبيه ، الثوب الأبيض المبقع والمشبع بزفارة السمك ، والشماغ الباهت الكالح ، لبس الثوب ، ولف رأسه ووجهه باشماغ ماعدا عيناه ، ثم إتجه إلى باب البيت .. وفتحه ! هل كل كلمات الأرض وبكل لغات العالم ، المنتشرة بالكتابة أو بالكلام في قاراتها الخمس ؟ بحروف كبيرة أو حروف صغيرة ، بالصراخ أو بالهمس ؟ تستطيع أن تعبر عن حالة عليثة ، بعد ما حصل له ، وخاصة بالأمس ؟! ـ : ... ؟! كانت الدنيا مازالت في مخاض ولادة ضوء النهار ، وكانت بقايا العاصفة مازالت تحرك بلطف أغصان الأشجار ، وكانت بعض الطيور قد بدأت توقوق وتغادر أعشاشها ، وكان الغبار مازال ممسكا بتلابيب الهواء ! وكان الصيادون قد بدأوا في التجمع حول قواربهم وهم يصبّحون على بعضهم ويتسامرون ! لكن همهمات الصيادين توقفت وإتجهت أبصارهم إلى شخص ! كان الشخص الذين رأوّه يسير بثبات نحو مركب النوخذة .. دفع الشخص المركب نحو البحر .. ركب الشخص المركب .. أخذ الشخص يجدف نحو عرض البحر ! ـ إلى يومنا هذا يقول الصيادون أنهم يتحاشوّن الإقتراب من هذه الجزيرة ليلا ، بسبب أنهم يسمعون أصواتا وصرخات نسائية تصدر منها ! .. ( أحلاما سعيدة وتصبحون على خير ، مصـطفى سـكر ، جدة ، يناير 2007 )
مرسلة بواسطة arabicshortstory في 03:21 ص 0 التعليقات روابط هذه الرسالة

The tree and the black dog
الشجرة والكلب الأسود Guest Writer*التاريخ:الاثنين 19 نوفمبر 2001 قصة من : سارة النواف أزاح الغطاء عن وجهه .. رآها كما يراها كل يوم .. تقف بغضب عند رأسه .. تنظر إليه بعتاب ولوم وتأنيب .. و .. " هيا .. استيقظ أيها الكسول .. هيا إلى الشجرة .. حاول اليوم مرة أخرى "أجابها مالاً من الموضوع وراغبا في المزيد من النوم " تعبت من المحاولة "سحبت عنه الغطاء وقالت له بلهجة آمرة " قلت لك هيا .. هيا .. أمامي ولا داعي لتضييع الوقت .. فهي فرصة وقد تفوت .. قد يأخذها غيرك ولن تجد أمامك فرصة أخرى "حاول الاعتراض قائلا " ولكن .. " لم تدعه يكمل إذ أنها قالت بحزم وهي تسحب الغطاء " قلت لك هيا .."في الطريق يهرول حافيا .. يحاول تفادي الأحجار الصغيرة التي تخزه .. كلب أسود يجري خلفه .. يدب الخوف في نفسه ولولا بقية من شجاعة كانت في نفسه لعاد جريا إلى المنزل .يقف .. ويتناول حجرا من الأرض .. يرميه محاولا إخافة الكلب .. ولكن .. " لا فائدة .. حتى الكلب يعرف أني ضعيف "تتراءى له الشجرة .. لا تزال بعيدة .. وهذا الطريق المؤلم الذي لابد أن يقطعه ليصل إليها " حتى وأنا تحت الشجرة .. تكون بعيدة عني "ينظر إليها .. الصراع اليومي الذي يدور تحتها .. الكل يحاول الوصول وانتزاع الكيس المعلق بأحد أغصانها .. قد يحوي كنزا .. أو ذهبا .. أو حتى نقودا .. هو لا يعرف ما يحويه هذا الكيس ولا غيره من المزدحمين يعرف ... ولكن لا يهم ذلك .. المهم أن يحصل على الكيس أولا .. ثم بعد ذلك يكتشف ما بداخله .. هكذا تكون الأمور منطقية بالنسبة له .. تباطأت خطواته وهو يقترب من الصراع الدموي .. رأى أحدهم قادما من تلك الناحية " يبدو مصابا .. إذ أنه يعرج في مشيته .. صراع .. الكل يدوس على الكل .. لا يهم أين يضع قدميه .. قد تكون على قدم أحدهم .. أو رأسه .. أو بطنه .. أو رقبته .. الجميع يدوس .. لا وقت لأحد لينظر إلى موقع قدمه .. أو أن يساعد من وقع ..لا وقت ليدير بصره عن الكيس المعلق .يدفع بكتفه .. هذا وذاك .. ليدخل في الازدحام .. تمتد يداه إلى الأعلى كغيرها من الأيادي .. يقفز .. يدق بقدميه الأرض ويقفز فقد يمسك بالكيس .. يكرر قفزاته .. وتتكرر دقات قدميه على الأرض .." ولكن .. ما هذا الذي تحت قدمي ؟؟؟ شيء لين .. وسادة .. أو قربة ماء .. أو " يسمع أنينا مؤلما ..يردد في نفسه " أوه .. لابد أن أحدهم وقع .. وأنني كنت اقفز على بطنه "لا وقت لديه لينظر إلى الرجل .. أو يحاول مساعدته .. فهو إن نظر إلى موقع قدمه فلن يستطيع أن يرفع رأسه ليعاود النظر إلى الكيس .. وهو إن تمسك بالنظر إلى الكيس فلن يستطيع أن يميز موقع قدمه .. قد يضعها كما فعل قبل قليل على بطن أحدهم " ولكن .. ما هم .. لست أنا الوحيد الذي داسه .. غيري الكثير ممن داسوا ويدوسون "كل الذي فعله هو أنه دفع الرجل المجاور له بكتفه وبتلك الطريقة ابتعد عن ذلك الملقى أرضا .. عاود القفز ولكن .. لا فائدة .. لاتصل يداه إلى الكيس .. أحس بالتعب وزاغت عيناه فالشمس بحرارتها تحرق رأسه .. وعيناه تعبتا من التركيز على الكيس .. أحيانا يحاول أن يضيف القليل من التغيير فيحول بصره إلى الغراب الذي يقف على نفس الغصن .. غراب أسود كبير ينظر إلى المتصارعين ببرود ولا يخشاهم .. فقد تعود وجودهم .. من قبل صراع آبائهم وأجدادهم .. والآن صراعهم .. ومن بعد صراع أبنائهم وأحفادهم .. أنفاسه تتسارع .. والعرق يتصبب من جسده بعد أن تمكن منه الإنهاك .. يحاول الانسحاب مقنعا نفسه " نعم .. لم لا أنسحب .. وأقنع بما لدي .. ألا يقولون أن القناعة كنز لا يفنى .. نعم .. سأترك الصراع واللهاث خلف هذا الكيس الذي يحوي المجهول "يتسلل إلى خارج التجمع .. يجلس بعيدا عنهم .. يدس يده في جيبه ولكنه يخشى تناول قطعة الخبز التي يخفيها .. فالكلب الأسود يقف غير بعيد ينظر إليه نظرة لا يعرف كنهها .. ولكنها تخيفه .. الشمس تتحرك من مكانها وتميل إلى المغيب .. والصراع يخف رويدا رويدا .. فالمتعب ينسحب للراحة .. أو ربما للعودة في الغد .. وقد يجر أحدهم مصابا أو قد يتركه على الأرض حتى يأتي أهله مستغربين تأخره ليجدوه على حاله .. ويحملوه إلى البيت ليعالجوه .. أو.. ليدفنوه .يمعن النظر بهم حين يمرون من أمامه .." ليسوا رجالا فقط .." يرى النسوة .. الكثير منهن فيردد في نفسه ساخرا " ويقولون جنس ناعم "بعد غروب الشمس كان الجميع قد انسحب ولا أحد في المكان سواه .. الغراب ترك الغصن وطار إلى جهة غير معلومة .. الكلب الأسود لم يعد له أثر .. ضحك من نفسه ساخرا " حتى الحيوانات عرفت أن الصراع قد انتهى .. فرحلت لتعود في الصباح "تناول قطعة الخبز وأخذ يقضمها متجها إلى المنزل .. مصمما على عدم العودة إلى هذه الشجرة فهو لا يجني منها إلا التعب والإجهاد " سأنام ليلتي وغدا أحمل حاجياتي وأرحل عن هذا المكان .. أرض الله واسعة .. سأبحث عن رزقي في مكان آخر .. لا صراع ولا قفزات في الهواء "وفي الصباح الباكر .. كان يقف في منتصف الطريق إلى الشجرة .. يحمل حجرا صغيرا ليرميه على الكلب الأسود محاولا إخافته .
مرسلة بواسطة arabicshortstory في 03:14 ص 0 التعليقات روابط هذه الرسالة
06 فبراير، 2008

The serround
كتاب عرب - يسري الغول Guest Writer*الحِصــــــــــار- ليتني لم أفعل ، ليتني حقاً ، ليتني … الثالثة عصراً ، و الحصارُ حصار داخل مخيمنا الضيق ، و من بين دهاليزه المدمرة توجب عليّ الفرار من الموت ففررت . خرجت أهيم على وجهي في طرقات المخيم الصامتة علّني اصطدم بقطعة لحم منسية ، أو برصاصة جافة تهوي بي نحو المجهول فتريحيني من عناء البحث في دروب الحياة الحمقاء . لكنني لم أجد أيا من هاتين الأمنيتين كأقراني ، بل شيئاً جديداً تماماً . فلقد أكرمني الرب بقطة حمراء يافعة ، و هذا يعني أنني أحلم ، فأن تصدف قطة في شارع ما في مخيمنا على قيد الحياة أمر مستغرب فعلاً ، و الأكثر غرابة أن تكون هذه القطة بذلك الحجم المثير لسيلان اللعاب . لحظتها كم راودني ذلك الإحساس المفرط بالسعادة من الولوج إلى منزلي بهذا الصيد الوفير ، لكنني لم أكن أعلم أنها ستكون أكثر من سيحاربني حتى في لقمة عيشي إلى ذلك الحد البعيد لتصبح كل همي و غمي . العاشرة مساءً ، و الخرابُ خراب . بخطوات وئيدة ولجت المنزل ، كان جميع أفراد العائلة في انتظاري ، أو بالأحرى في انتظار ما في جعبتي من طعام . أمي ، أبي ، حتى أخواتي الأربعة . أغلقت الباب ثم تبسمت في وجوههم بينما تهادى ذلك القط اللعين بين يدي و عضّني بأنيابه عضة لا يزال خدرها ينملني حتى اللحظة ، تركته و أنا أحدق في وجوههم واحداً ، واحداً . لكنني شعرت بأن الدهشة قد أصابتهم حتى أن أحدهم لم ينبس ببنت شفة . فرُحت أتحدث لهم عن طريقة إعداده للأكل لكن صراخ أبي و بصاقه لم يتركاني أنهي حديثي ، فقد بدأ يهذي بحنق : - يلعن هالزمن الأغبر ما ألعنه ! ثم متابعاً : - تريدنا أيها القبيح أن نذبحه ،ما ألعنك أيها الشيطان. و انتهى الحوار بأن قضينا ليلتنا دون طعام ..! اليوم الثاني ، يوم الحكاية و الانفجار لا أدري جيداً من أين تبدأ الحكاية بالضبط ، لكنني أستطيع أن أخمن بأنها تبدأ من حيث انتهت تلك الليلة السوداوية التي أظلتني بنارها . كنت كمن يهذي طوال الليل ، أحدق في جو السماء ، أتضور جوعاً و خوفاً . أحاول طرد الذكريات المرعبة ، الأفلام الكابوسية التي أعايشها ، لكن دون فائدة ، فكل العقد لا تنفك عني ، لأن شيئاً واحداً فقط ما يلازمني هاهنا ، الموت ولا شيء دونه . المهم في الأمر أنني استيقظت . كان وجهي شاحباً ، أخذت أنظر يميناً و شمالاً باحثاً عن كوب ماء لاصطدم بوجه ذلك الشيطان يحدق بي ، كأنه يريد امتصاص شراييني ، لحظتها صرخت و صرخت . خرج أبويّ ظانين بأنني قد أصبت بعيار ناري من إحدى الدبابات التي تحوم حول المكان . جاءوا و اجتمعوا حولي و هم يقرؤون آيات من الرقية علّني أستريح ، لكنني لم أهدأ و أنا أرى هذا الشيطان يجلس إلى جوارهم ، يلحس بلسانه النجس الملابس و الوجوه . هتفت بهم صائحاً : - أخرجوا هذا الحيوان من غرفتنا ، أخرجوه ، أخرجوه . ثم عاد لي رشدي .. صباح ككل الصباحات المرعبة خرجت ثم عدت برغيف من الخبز الناشف كان بجوار أحد الشهداء الذين لم يحالفهم الحظ بالتهام شيء منه سوى لقمة أو لقمتين ، أعطيت جميع من في المنزل حصته من تلك الوليمة حتى قطنا القبيح ، ثم ذهبت وحيداً إلى غرفتي و أنا أحمل تلك القطعة اليابسة من الخبز ، ذلك الخبز الذي تقول أمي فيه الحكمة التي درجت على لسانها هذا الشهر " الخبز العتيق أكثر صحة من الخبز الطازج " ، و قد كانت تعني في حكمتها تلك أن المضغ الكثير يولد الشبع بالقليل ، و حتى هذا القليل لم أنل منه شيئاً ، فما أن وضعت الكسرة في فمي حتى هاجمني ذلك الشيطان بأنيابه و مخالبه القوية ليستولي على تلك القطعة كاملة و لم أعد أفكر باستردادها منه لأنه بدا أكثر قوة مني .. و تمر الأيام الحُبلى أخرج هائماً ، مشرداً . أحدق بالأرض القاحلة علها تنبت شيئاً يشفي آلام بطني الفقيرة . فآكل قبل العودة إلى المنزل حتى لا يؤنبني أبي إن ركلت ذلك الحيوان أو ضربته إذا هاجمني .. بالأمس استطعت الحصول على لتر من الحليب ، عدت به إلى المنزل فإذا أمي تطعم ثلثه للقط ، و تعطينا الباقي . حينها لم أستطع أن أكبت جنوني ، فصرخت بهم كالأبله : - يالكم من مجانين ، نحن نحصل على أقل من الربع و الباقي يستولي عليه ذلك اللعين . و لم أتوقف عن ذلك فقط بل سحبت ذلك القط من تحت الأريكة و رميته من الشباك إلى خارج مطبخنا . لكن أمي عنّفتني قائلة - أيها الأحمق ، ألست مسلماً . و انتهى ذلك الغباء .. زحف حتى الموت أثناء رفع حظر التجوال عن المخيم في اليوم العشرين ، وقفت في الطابور لشراء الخضار و لما انتهيت لم تكن الحكاية قد انتهت ، بل قد بدأت ، فقد بدأ التراشق بالمدافع و الرصاص من جديد و كان يتوجب عليّ أن أفعل كما كل ليلة . أن ازحف حتى أصل المنزل سالماً من الرصاص . و هذا ما حدث ، فقد عدت إلى المنزل الساعة التاسعة . كان جميع أفراد العائلة يتناولون فطورهم بينما يجلس ذلك الوحش في مكانٍ منزوٍ عنهم يأكل خبزاً منقوعاً بالماء في صحن أبيض ، لحظتها بدأ شيطاني يراودني ، فأسرعت تجاهه و ألقيت ما في ذلك الصحن على الأرض بغضب ثم هتفت بعنف صارخاً في وجوههم : - لن يأكل هذا الحيوان معنا اليوم شيئاً ، بل سيخرج من المنزل و .. .. صوت أمي لم يتركني حتى أنتهي من ذلك الحديث الأجوف ، فقد صفعتني بشدة و كانت المرة الأولى التي تفعلها مذ كنت في الرابعة ، ثم تابعت : - يا معذب الحيوانات . الموت للأعداء رأيت ذلك القط بينما كان الجميع غارقاً في نوم الموات . انتهزت الفرصة و اقتربت من عدوي اللدود ، مسدت له شعره الناعم ثم لكمته بعنف .. - لا أستطيع أن أراك تسمن كل يوم و أنا يصيبني الهزال. قلت تلك الجملة بصوت لم يسمعه أحد سواي ، ثم أمسكت ذلك الحيوان النتن و خرجت به نحو حاوية المخيم و هناك ضربته على رأسه أكثر من مرة ، لكنه كان بعيداً عن الموت ، ضربته مرات و مرات لحظة أن تهاوت في قيعان روحي تلك الجملة الرهيبة ( للقطة سبعة أرواح ) وإذا بجسدي يهتز ، يرتجف . بدأت أضربه بعنف ، ضربة خامسة ثم سادسة ثم سابعة حتى سمعت له طقطقة لم أسمعها من قبل و قد تغير لون الحاوية إلى الأحمر القاني ، لحظتها فقط هدأت روحي ، فبدأتُ أمسح العرق عن جبيني و أنا أحدق باللافتة التي أمامي بنظرة شزرة ( مخيم جنين يرحب بكم ) .
مرسلة بواسطة arabicshortstory في 03:42 ص 0 التعليقات روابط هذه الرسالة
رسائل أقدم
الاشتراك في: الرسائل (Atom)